
د/آمال بوحرب
في بحر الفلسفة الحديثة حيث يسعى الإنسان لفهم ذاته وعالمه يقف ديفيد هيوم الفيلسوف الاسكتلندي كأحد أبرز رموز الشكوكية والتجريبية هيوم لم يكن يبحث عن إجابات جاهزة بل عن وعي حقيقي بحدود المعرفة البشرية ففتح نافذة على تجربة الإنسان مع الشك واللايقين رحلة تنقلنا من الأحلام الميتافيزيقية إلى واقع الحس والتجربة في هذا المقال الذي يمثل الجزء الأول من سلسلة نقترب فيها من فلسفة هيوم ونكشف عبرها عن أثر الشك والتجربة في تشكيل وعي الإنسان لنبحر في عوالم الشك والعدم التي كشف عنها متأملين كيف يمكن لأفكاره أن تنير دروب الإنسان العربي في زمن تتلاطم فيه أمواج الهوية والكرامة وسط أزمات سياسية واجتماعية مختلفة؟
السياق التاريخي
عاش هيوم في عصر التنوير الأوروبي حيث هيمنت العلوم التجريبية والمنهج العلمي على الفكر فجاء موقفه ثورة على الميتافيزيقا التقليدية رافضًا الاعتقاد بأن العقل قادر على تجاوز التجربة الحسية بهذا الرفض عارض هيمنة الأفكار المطلقة التي طبعت الفلسفة السابقة وكما تمرّد كيركيغارد على هيغل كان هيوم ثائرًا على الميتافيزيقا لكن عبر طريق أشد عقلانية وأعمق شكوكية هذا الوضع يشبه في وجه ما حال الإنسان العربي اليوم وهو يتأرجح بين البحث عن ثوابت تقليدية والتطلع إلى الحداثة والحرية في ظل واقع يفتقر إلى اليقين.
الشك والواقعية
يرى هيوم أن المعرفة لا تصدر عن العقل المجرد بل عن الانطباعات الحسية والتجربة الحية هذا يقوده إلى موقف فلسفي متشدد في الشك خاصة في مبدأ السببية ففي كتابه تحقيق في الفهم البشري يشير إلى أن العقل لا يبرهن على وجود علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة بل لا يدركها إلا من خلال العادة والتجربة لا كضرورة عقلية هذا الموقف الفلسفي يعكس حال الإنسان العربي المعاصر وهو يعيش في واقع ضبابي تغيب فيه الحقائق الثابتة وتُستبدل بآراء متقلبة ومصالح متغيرة.
اللامعنى والعدمية التجريبية
لم يعالج هيوم العبث بالمعنى الوجودي كما فعل كيركيغارد أو كامو لكنه وصل في شكوكه إلى ما يشبه العدمية المعرفية إذ اعتبر أن الموت نهاية مطلقة للإنسان وأن النفس لا تنفصل عن الجسد هذه الرؤية أسست لفلسفة محافظة علمية الطابع لكنها فجرت أزمة غياب المعنى وهو ما يعيشه الفرد العربي اليوم في ظل انهيار الثقة بالمقدسات القديمة وعدم قدرته على صياغة غاية جديدة لحياته في عالم متغير فأصبحت العدمية عنده أقرب إلى تجربة يومية عملية.
الحرية والانفعالات
يعتبر هيوم أن الإنسان لا تحكمه سلطة العقل العليا بل تحركه الانفعالات والشهوات فالعقل عبد للعاطفة لا سيدًا عليها الحرية هنا ليست القفزة الإيمانية الكيركيغاردية بل هي خضوع لجدلية الحاجات والرغبات والتهيؤات النفسية هذه الرؤية يمكن قراءتها عربيًا في ديناميكيات العواطف الجماعية التي تحرك الثورات والتحولات بين الأمل واليأس بين القمع والرغبة في التحرر مما يصنع صراعًا دائمًا حول الهوية والاختيارات.
الشك كمنهج حياة
هيوم لم يَعِد الإنسان بالخلاص من اللايقين بل جعله قدرًا ملازمًا للوجود فالحياة لا تُدار باليقين بل بالغريزة والتجربة اليومية وهو يرى أن النجاة لا تكون إلا بقبول هذا الغموض ومواجهة محدودية العقل في الثقافة العربية يمكن أن يُقرأ هذا الموقف كدعوة لإعادة بناء الثقة بالذات وللعيش ضمن واقع معقد دون انتظار إجابات مطلقة من الأديان أو الفلسفات الكبرى.
خاتمة
يقدّم ديفيد هيوم صورة للإنسان محاصرًا بين حدود العقل الحسي وغموض المصير بين الحاجة إلى يقين لا يُنال والعيش في شك دائم في عالم عربي مأزوم بالهوية والمعنى تظل فلسفة هيوم ذات راهنية مزدوجة فهي من جهة تدعو إلى التحرر من الأوهام ومن جهة أخرى تحذر من هاوية الفراغ المعرفي إنها محاولة لمدّ جسر نحو واقعية جديدة حيث يصبح الشك عزاءً واللايقين دافعًا للبحث المستمر عن الحقيقة.
