
بقلم / عزة الفشني
لقد إعتادت الشعوب الأوروبية أن تسمع من حكوماتها كلاماً مطمئناً عن أن كل شيء تحت السيطرة وأن الدولة قادرة على حماية الجميع في أي ظرف. أما اليوم فقد تبدل الخطاب تماماً. لم تعد هناك وعوداٌ ولا تفاصيل كثيرة.
ولأول مرة منذ عقود تخرج حكومات أوروبا لتقول لشعوبها كلاماٌ لم تعتده. لا تطمينات ولا وعود. فقط جملة واحدة مخيفة في بساطتها كونوا مستعدين.
– الخطر لم يعد مقتصراً على المعارك التقليدية فقط
هذا الإستعداد يظهر في صور مختلفة. في بريطانيا طلبت الحكومة من كل أسرة أن توفر في بيتها ما يكفيها من طعام وماء لفترة. وفي ألمانيا تم إعادة تنظيم المستشفيات بحيث تكون قادرة على إستقبال أعداد كبيرة من الجرحى في وقت واحد. وفي فرنسا يجري تحصين الأماكن الحيوية مثل شبكات الكهرباء والإنترنت والموانئ تحسباً لأي هجمات قد تأتي من الجو أو هجمات سيبرانية من خلال الشبكات. أما الدول القريبة من مناطق التوتر مثل بولندا ودول البلطيق فهي تضع خطط إجلاء المواطنين إذا لزم الأمر. وتتابع بإهتمام أي تحرك عسكري قرب حدودها وكأنها تنتظر صافرة البداية.
سبب هذا التغير هو أن مفهوم الخطر نفسه قد تغير. لم يعد الخطر مقتصراً على المعارك التقليدية فقط. أصبح من الممكن أن يأتي عبر هجوم إلكتروني يوقف الكهرباء أو يشل المستشفيات أو يعطل الموانئ. ولذلك لم تعد الحكومات قادرة على أن تطمئن الناس بحماية كاملة وحدها فطلبت من المواطنين أن يتحملوا جزءاً من المسؤولية.
– أوروبا بدأت إستعدادات البقاء وليست إستعدادات حرب
هنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي قلب المشهد بهذه السرعة؟ ما الذي جعل القارة التي عاشت ستين عاماٌ في ظل الأمان تعود فجأة إلى لغة الحرب والطوارئ ؟ الجواب في كلمة واحدة أوكرانيا. الحرب الروسية الأوكرانية لم تغير خريطة شرق أوروبا فقط. لقد نسفت الفكرة التي نام عليها الأوروبيون طويلاٌ. فكرة أن الحروب الكبرى إنتهت وأن المدن في مأمن وأن الطاقة والماء والغذاء أشياء مضمونة. حين إحترقت المصافي وسقطت المسيرات فى قلب العواصم فهمت أوروبا أن لا أحد بعيداٌ عن النار.
ولهذا بدأت الإستعدادات. ليست إستعدادات حرب فقط بل إستعدادات بقاء. والسؤال الأخطر لا يتعلق بما تفعله الحكومات اليوم بل بما تعرفه ولا تقوله. ما الذي رأته أجهزة المخابرات الأوروبية في تقاريرها المغلقة ودفعها للتحرك بهذا التنسيق وهذا التوقيت؟ لماذا الآن؟ ولماذا كل الدول تتحدث في وقت واحد وكأن هناك ساعة بدأت في العد؟
-العالم اليوم مربوط بخيوط لا يراها أحد لكنها تحكم الجميع
لكن هذا القلق الأوروبي لن يبقى سراٌ لوقت طوبل. الصدى سيصل بسرعة البرق إلى الشرق الأوسط لأن العالم اليوم مربوط بخيوط لا يراها أحد لكنها تحكم الجميع. وعلى رأس هذه الخيوط الطاقة. أوروبا أكبر مستورد للطاقة في العالم. وحين ترتبك مصافي وتدخل العواصم في حالة إستعداد أمنى فإن أول ما يرتجف هو سوق النفط والغاز. وهنا يصبح الشرق الأوسط هو مصدر الإمداد الأول. هذا يعني زيادة الطلب بشكل أعلى وأسعاراٌ أغلى وضغطاٌ سياسياٌ أكبر على دول الخليج لضخ المزيد. وفي المقابل أي إضطراب في الإمدادات الأوروبية سيعني شتاءاٌ قاسياٌ يدفع الدول الكبرى للبحث عن بدائل بأي ثمن. وهكذا يتحول نفط المنطقة وغازها من سلعة إلى ورقة جيوسياسية تحدد من يتحالف مع من.
الأمر لا يتوقف عند الطاقة. حين تنشغل أوروبا بنفسها يتراجع حضورها في ملفات الشرق الأوسط. المساعدات قد تتأخر والوساطات قد تضعف والأساطيل قد تعود للدفاع عن سواحلها. وهذا الفراغ لا يبقى فارغاٌ طويلاٌ. قوى إقليمية ودولية ستتحرك لملئه. كما أن أي تصعيد أوسع بين روسيا والغرب سيفتح جبهات بالوكالة. والشرق الأوسط بتاريخه الجغرافي كان دائماٌ ساحة مفضلة لمثل هذه المواجهات.
– من يملك الماء والغذاء سيملك القرار
ثم يأتي ملف الغذاء والماء. الحرب غيرت قواعد القمح والزيوت والحبوب. وأوروبا التي كانت سوقاٌ وممراٌ ستتحول إلى منافس على نفس السلع التي تستوردها بلداننا العربية. دول مثل لبنان واليمن والمغرب التي تستورد أكثر من نصف غذائها ستشعر بالضغط أولاٌ. ومع إقتراب الحديث عن سلاح الماء في أنهار كبرى يصبح ملف النيل ودجلة والفرات أكثر حساسية. فإذا ارتبكت أوروبا فكرت في أمنها المائي أولاٌ وتركت ملفات المنطقة جانباٌ.
ولا ننسى تأثر المواطنين. أي أزمة طاقة أو غذاء أو صراع في أوروبا تعني نزوح الكثيرين. والوجهة الأولى ستكون دائماٌ نحو الجنوب. مثل تركيا ثم بلاد الشام ثم شمال أفريقيا. وهذا سيضيف ضغطاٌ هائلاٌ على إقتصادات متدهورة وعلى بنية تحتية لا تحتمل.
– البعد المالي والإقتصادي هو سبب رئيسي لتغير خطاب أوروبا
من الضروري أن نعى أن البعد المالي والإقتصادي هو سبب رئيسي لتغير خطاب أوروبا. لم تعد تملك المال الكافي لتأمين كل شيء للجميع. الدفاعات والطاقة والغذاء والمستشفيات كلها تكلف مليارات الدولارات في وقت تضخم وديون. لذلك حولت جزءاٌ من المسؤولية للمواطن وطلبت منه الإستعداد بنفسه.
– الشرق الأوسط لن يكون متفرجاٌ فهو الحلقة الأقرب للنار
بالنسبة لنا في الشرق الأوسط هذا يعني شيئين. الأول إرتفاع أسعار النفط والغاز والقمح لأن أوروبا ستشتري بأي ثمن. والثاني تراجع الإستثمارات والمساعدات الأوروبية لنا لأن أموالهم ستذهب للدفاع في الداخل. وأي خوف في الأسواق العالمية سيسحب رؤوس الأموال من عندنا.
إن الشرق الأوسط لن يكون متفرجاٌ. فهو الحلقة الأقرب للنار. إذا اشتعلت أوروبا سيرتفع سعر النفط فنربح مالاٌ ونخسر إستقراراٌ. وإذا جاعت أوروبا سنجوع معها لأن القمح واحد والسوق واحدة. وإذا خافت أوروبا سنخاف معها لأن البحر المتوسط لم يعد يفصل بل يصل.
خلاصة القول: لقد انتقلنا من زمن كانت فيه الدولة تقول لا تقلقوا كل شيء مؤمن إلى زمن تقول فيه كونوا مستعدين. وهذا لا يعني بالضرورة أن شيئاً سيحدث غداً ولكنه يعني أن زمن اليقين المطلق قد انتهى وحل محله زمن الإحتمالات.
وان الدول الأوروبية لم تعد تشتري الأمان للجميع والفاتورة ستصل إلينا سواء في الأسعار أو في تراجع الدعم.






