
قصة: مراد ناجح عزيز
بعيدًا عن ..
جو المدرسة ومتاعبها التي لا تتعدى تأنيب للخروج عن الصّف أو تكاسل في أداء بعض الواجبات, أو تدافع أثناء الصّعود إلى قاعات الفصل, هُناك عالم آخر على النقيض تمامًا, لطفل مازال يحبو في عالمه الصّغير, من بعيد يقطع صوتها الطريق وصولًا إليه, تململ في فراشه, يكاد يفتح عينيه بثقل وكأن جفونها شدّت بعضها إلى بعض, غالبه أنين جسده المتعب, غفا قليلًا, تمنّى أن تطول به تلك اللحظات الجميلة, يطوف شوارع القرية غربًا وشرقًا وقد أبدى مهارته في فرد ذراعيه تاركًا مِقودها, درّاجة كان يُمنّى النفس بها ومن اجلها كانت تلك السّاعات التي أرهقته
رغم صِغر سنّه في أعمال البناء, عادت أمه وأيقظته مرّة أخرى بصوت أكثر قُربًا وحدّة.
وفي ثياب رثّة, خرج مع شروق الشّمس, تنسّم بعض الهواء المُتجدد طالما مازال بريئًا لم تلوّثه الأتربة وعوادم السّيّارات, تلتقط انفه رائحة ما, بعض أكياس الزبالة مزّقتها الكلاب الضّالة ليلًا فانفجر ما بجوفها من بقايا أطعمة تحللت بفعل ارتفاع درجة الحرارة, يُتابع ما يطفو على سطح ماء التّرعة من حيوانات نافقة, وبعض النسوة ممّن خرجن مبكِّرًا لغسيل بعض الأواني النحاسيّة وبعض السّجّاد, تعلو ضحِكاتهم, وضعيّة جلوسهن جعلت منهن أهداف ضعيفة في مرمى البصر, وقد شمّرن في الماء عن سيقان بيضاء تلمع كأنّها أعمدة رُخاميّة, يهيم بأشكال الطّيور فوق أغصان الشّجر, مستعينًا بإصبعيه السبّابة والإبهام, يحاول تصويب طلقاته إليها, يركل بعض الحصى الصّغيرة بحذائه الصّلب متقمّصًا(محمود الخطيب) في طريقة جريه ولمسته للكُره, فلا فسحة هناك للعب ولا مجال لتكاسل, لا حديث هناك عن إجازة صيفية ورحلات, كل ذلك لا من أجل بضع جنيهات قليلة, فقط كانت أشبه بخطوات عرجاء, لا تقطع مسافة ولا تصل إلى هدف, إذا ما انفرد بنفسه وجد أن المسافة بينه وبينها زمن بعيد.
في هذا العالم يتحول ذلك الكائن الهش إلى ما يشبه عجوز بقلب طفل, لأول مره تطالع أذنيه أحاديث عن عالم غامض, ربّما كانت بعض تفاصيل ليلة حمراء
( كما يطلقون عليها) حاول احدهم إثبات فحوليّته وسط ضحِكات وتعليقات ساخِرة,
أو الحديث عمّا قد يواجهه البعض من ضيقات وهموم تراكمت عليه, تآكلت قشرة
أصابعه الرقيقة وقد أوشكت أن تنزف دمًا, تبدّل لون بشرته بطبقة بنيّة, لم يعد لانسياب شعره مكان, إذ كانت تغطّية طاقيّة طوال اليوم لما قد يصيبه من الأتربة والرمال ولفح الشمس.
وذات يوم وشى اليّ أحد أصدقائي بأن غدًا سوف يُذاع فيلم( عنترة بن شدّاد) وهو يعلم عشقي لهذا الفيلم, وحديثي الدّائم عن أسطورة الرجل الذي يَهزم الجميع ويتزوّج من حبيبته رغم كل الصّعاب والدّسائس, حتّى أني اختلقت أعذارًا لوالدتي عن شعوري بالغثيان صباحًا, والتهاب أصابعي وتورّمها, كان تمنّعي عن العمل لتلك الأسباب كافيًا لإقناع والدتي, إلا انه لم يكن كافيًا لصاحب العمل, تسمّرت قدميّ كأنّما هي دقّت في الأرض أمامه صباح اليوم التالي, حتّى طالت كفّه وجهي تأنيبًا وتوبيخًا بكلمات استرسل فيها عن العمل الجاد والرجولة, تلك اليد التي يشبه باطنها تضاريس صخرة صمّاء, الجميع يعلم ماله من قوّة الشّخصيّة والهيبة, لا تجعل لك مساحة من حريّة للفرار من أمامه دون أن تلقى أوًلًا من اللوم والعتاب ما يكفي.
سنوات لم تستمع الحياة له أو رقّت لنداءات قلبه, وقد أصيب صغيرًا بضمور في العضلات, جعلت منه طائرًا بغير جناح, اكتفى بمشاهدة ما يدور حوله, بينما
توقّفت درّاجة الحياة تحت قدميه, إلا وانه ظل يتحسّس وجه ذلك الطّفل العجوز
كل صباح وآثار تلك الأصابع الغليظة.
