
بقلم: شحاته زكريا
عقود طويلة مضت ونحن نتعامل مع القارة الأفريقية من منظور الملف الطارئ أو الساحة الدبلوماسية التي نتذكرها فقط عند تصاعد أزمة إقليمية ، أو الحاجة إلى تصويت في محفل دولي. كانت السياسة التقليدية تكتفي ببروتوكولات الترحيب وزيارات متباعدة وبيانات ختامية تؤكد عمق الروابط التاريخية والجغرافية ثم تطوى الأوراق وتحفظ في الأدراج بانتظار مناسبة أخرى. لكن المشهد الدولي الراهن يفرض قطيعة تامة مع هذا النمط من التفكير فأفريقيا اليوم لم تعد تلك المساحة الجغرافية الساكنة التي تنتظر المبادرات بل تحولت إلى قلب التوازنات العالمية وواحدة من أكثر الساحات جذبا لرؤوس الأموال وصراع النفوذ بين القوى الكبرى. ومن هنا لم يعد السؤال البديهي المطروح على صانع القرار والشارع المصري هو: هل أفريقيا مهمة؟ فهذا سؤال تجاوزه الواقع العملي منذ سنوات بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا ماذا سنفعل نحن بهذه الأهمية؟ وكيف نحوّل الوجود السياسي والتاريخي إلى عائد اقتصادي وتنموي ملموس يحمي مصالحنا القومية ويخلق قيمة مضافة حقيقية؟
إن القراءة الدقيقة لمعطيات الاقتصاد العالمي توضح بما لا يدع مجالا للشك أن القارة السمراء تمتلك مفاتيح المستقبل فهي ليست مجرد خزان ضخم للمعادن والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة المتجددة والأراضي الصالحة للزراعة فحسب بل هي بالأساس كتلة ديموغرافية هائلة تتجاوز المليار نسمة تمثل فئة الشباب غالبيتها الساحقة. هؤلاء الشباب هم في الوقت ذاته قوى عاملة تبحث عن التأهيل والتشغيل وسوق استهلاكية ضخمة ومتنامية لجميع أنواع السلع والخدمات. غير أن وجود هذه الإمكانات الهائلة لم ينعكس تلقائيا على مستوى معيشة الشعوب أو معدلات النمو الداخلي والسبب يكمن في وجود فجوة تنموية عميقة تفصل بين الموارد الطبيعية وبين تحويلها إلى قيمة صناعية وتجارية. هذه الفجوة هي ما يُعرف اليوم باختناقات البنية التحتية وسلاسل الإمداد: نقص حاد في محطات توليد الكهرباء وشبكات التوزيع موانئ بحرية وجافة تحتاج إلى تطوير شبكات طرق وسكك حديدية تعجز عن الربط بين الدول المتجاورة ومنظومات اتصال وتكنولوجيا معلومات ما زالت في بداياتها. وهنا بالتحديد تبرز المساحة الاستراتيجية التي يمكن لمصر أن تلعب فيها دورا محوريا وغير مسبوق.
مصر لا تحتاج إلى تأشيرة دخول ثقافية أو جغرافية لأفريقيا فنحن جزء أصيل من هذه الأرض ومجرى نيلها. لكن الجغرافيا الصامتة والروابط التاريخية العاطفية لم تعد كافية وحدها لضمان النفوذ في عالم تحكمه المصالح والأرقام والقدرة على التنفيذ. إن ما تحتاجه مصر في هذه اللحظة الفارقة هو الانتقال السريع من دبلوماسية الخطابات إلى استراتيجية المشروعات الكبرى والفرصة مواتية تماما بالنظر إلى التجربة التنموية التي خاضتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة حيث تراكمت لدى المؤسسات والشركات الوطنية خبرات هائلة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية المعقدة في أزمنة قياسية سواء في مد الطرق السريعة وإقامة محطات الطاقة التقليدية والمتجددة وشبكات المياه والصرف والإنشاءات الكبرى والمدن الجديدة إلى جانب الكوادر المتقدمة في قطاعات الصحة والزراعة واستصلاح الأراضي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. إن نقل هذه الخبرات وتشغيل الشركات المصرية داخل الأسواق الأفريقية يمثل مسارا مضمونا لتوسيع نطاق الأعمال وتشغيل آلاف المهندسين والفنيين وفتح منافذ تصديرية جديدة لمواد البناء والصناعات المغذية الوطنية ومع ذلك يجب أن ندرك جيدا أن النظرة الأفريقية للعالم الخارجي تغيرت جذريا فالعواصم الأفريقية اليوم بقياداتها وشبابها.لم تعد تقبل منطق الأسواق الاستهلاكية السلبية التي تستقبل البضائع الجاهزة وتستنزف مواردها الخام كما كان يحدث في فترات الاستعمار القديم أو العقود اللاحقة. إن النموذج المقبول حاليا هو نموذج الشراكة العادلة والتنمية التشاركية الأفارقة يبحثون عن شريك يمتلك المعرفة والتكنولوجيا ويكون مستعدا لنقلها شريك يساعد في بناء قدرات تصنيعية محلية وتوطين الصناعات الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص عمل مستدامة لأبناء البلد وتأسيس مشاريع بنية تحتية مستدامة تعود بالنفع على المجتمع المحلي. هذا التوجه يخدم الرؤية المصرية بصورة مثالية فالشراكة التي تهدف إلى تبادل المنافع والاستثمار المشترك سواء عبر إقامة مناطق صناعية مصرية-أفريقية أو مشروعات تصنيع زراعي وغذائي مشتركة هي وحدها القادرة على بناء روابط طويلة الأجل محصنة ضد التقلبات السياسية والضغوط الدولية.
هذا التحرك الاقتصادي لا يمكن عزله بأي حال عن الحسابات الأمنية والسياسية الشاملة. فالاستقرار والتنمية وجهان لعملة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر فلا يمكن لمصنع أن يعمل أو لطريق تجاري أن يظل مفتوحا أو لمشروع طاقة أن يستمر إذا كانت البيئة المحيطة به تعاني من النزاعات المسلحة أو التهديدات الإرهابية أو الهشاشة الأمنية. لذلك فإن الانخراط المصري المكثف في دعم قضايا السلم والأمن في القارة وتقديم برامج التدريب العسكري والشرطي والمشاركة في جهود الوساطة وحل النزاعات وتأمين الممرات الملاحية والبحرية ليس واجبا تضامنيا فحسب بل هو حماية مباشرة لمصالحنا الحيوية وتأمين للاستثمارات المشتركة ولمنابع الأمن القومي المصري في أبعاده الاستراتيجية والمائية والغذائية. إن حماية الاستقرار في حوض النيل والقرن الأفريقي والساحل والصحراء هي الضمانة الحقيقية لتدفق الاستثمارات وتأمين سلاسل الإمداد وحركة التبادل التجاري عبر الحدود إن التحدي الأكبر الذي يواجهنا في هذا الملف هو عامل الوقت واشتداد المنافسة الدولية. فالقارة ليست فراغا ينتظر وصولنا بل هي ساحة تتحرك فيها قوى عالمية كبرى وإقليمية صاعدة تضخ استثمارات ضخمة وتقدم خطوط ائتمان ميسرة وتبني تحالفات وتكتلات اقتصادية بهدف السيطرة على الموارد والأسواق. هذه القوى لا تنتظر اكتمال الصورة ولا تتردد في خوض المخاطر وبالتالي فإن أي تأخر أو تردد في اتخاذ القرار أو تنفيذ الاتفاقيات من جانبنا لا يعني مجرد الانتظار بل يعني خسارة صريحة لمواقع كان يمكن ملؤها وتراجعا أمام منافسين يتحركون بمرونة وسرعة أعلى. إن العمل في الأسواق الأفريقية يفرض بطبيعة الحال التعامل مع تحديات تنظيمية ومصرفية وتشريعية فضلا عن الحاجة إلى توفير آليات تمويل مبتكرة وضمانات مخاطر الاستثمار والصادرات لكن هذه التحديات جزء طبيعي من ديناميكية الأسواق الناشئة والتعامل معها بجرأة واحترافية هو ما يميز الشريك القوي عن المراقب المتردد من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة استراتيجية مصرية متكاملة ومستدامة تجاه أفريقيا لا تتأثر بتغير الظروف الدبلوماسية العابرة بل تعمل كمنظومة عمل مؤسسية يشارك فيها القطاعان العام والخاص والقطاع المصرفي. استراتيجية تحدد بدقة القطاعات ذات الأولوية والأسواق المستهدفة في كل إقليم بالقارة وتعمل على تفعيل اتفاقيات التجارة الحرة القارية وتوفير خطوط ملاحية بحرية وجوية منتظمة تربط الموانئ المصرية بنظيراتها الأفريقية وتسهيل الإجراءات الجمركية واللوجستية مع إقامة معارض تجارية دائمة ومراكز لوجستية في نقاط الارتكاز الحيوية إن معركة المستقبل تحسم بمدى قدرتنا على تحويل موقعنا الجغرافي الفريد ورصيدنا التاريخي إلى شراكات إنتاجية ومشروعات عابرة للحدود. أفريقيا لا تحتاج منا إلى ترديد عبارات الإخوة والعمق الاستراتيجي بل تنتظر أن ترى تلك الشراكة مجسدة على أرض الواقع في مصنع ينتج وشبكة كهرباء تضيء القرى وميناء يستقبل السفن وطريق يعبر الحدود وطبيب يعالج ومهندس يبني. في تلك اللحظة فقط تتحول الأفكار إلى قوة حقيقية ونستطيع أن نؤكد بكل ثقة أننا لم نكتفِ بقراءة خريطة المستقبل بل كنا من بين القوى الفاعلة التي شاركت في بنائه وصناعته.





