
بقلم: دكتور. جميل جورجي
تدور آلة الحرب الجهنمية في معظم إن لم يكن كل دول العالم مدفوعة إما بأحلام السيطرة والهيمنة على العالم أو بدافع الاستحواذ على مقدرات الشعوب من خلال “قانون الغاب” الذى كان ولازال يحكم العالم من خلال تكريس مفهوم “البقاء للأقوى” مما جعله بمثابة ساحة لصراع الضواري..تلك هي الشريعة السائدة في العالم اليوم حيث يفترس القوى الضعيف من أجل سلب ما حبته به الطبيعة من موارد وثروات طبيعية وموقع “جغرافي إستراتيجي” على النحو الذي يمكن الدول الفاعلة في النظام الدولي من ممارسة قواعد اللعبة لتحقيق السيطرة والتفوق والتمتع بمكانة دولية تمكنها من منافسة الدول الأخرى .. من بين الأساليب الأخرى التي تستخدمها الدول في السياسة الدولية “الردع” من أجل إقرار السلام من خلال إقناع الخصوم المحتملين بأن الهجوم عليهم سوف يقابل برد فعل مضاد لا طاقة لهم به ولا يمكن تحمله كالتلويح باستخدام الأسلحة النووية الذي ساد خلال فترة “الحرب الباردة”.. وعلى الرغم من ذلك فمازال “العنف” هو المسيطر في العلاقات بين الدول نتيجة التوترات العرقية والانقسامات الدينية التي تعد بمثابة وقود للصراعات والحروب مما أدى إلى عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الداخلية وإشعال الحروب الأهلية التي عادة ما تكون مدفوعة بالقوى الخارجية .. قد تحمل هذه الحروب في طياتها العديد من الآثار التي عادة ما تترك ندوباً دائمة على وجه الدول من الناحية الاقتصادية نتيجة تدمير البنية التحتية وتوقف حركة التجارة مما يؤدى إلى تفشى الفقر والبطالة وارتفاع تكلفة عملية إعادة الإعمار.. فا مقال “هوبسباوم إى.جيه” بعنوان “أسباب الحروب وأثارها وكيف تؤثر على الدولة ” صرح قائلاً غالباً ما تنتج الحروب من خلال تفاعل معقد يجمع بين العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية كالصراع على السلطة والسيطرة على الأراضي أو تأمين المناطق الإستراتيجية المدفوعة بالطموحات الاستعمارية ..واستطرد “أى.جيه” قائلاً تلعب أيضاً الدوافع الاقتصادية مثل السيطرة على الموارد الثمينة كالنفط والمعادن دوراً كبيراً في إشعال الصراعات على غرار حرب العراق بهدف الاستيلاء على احتياطات النفط..وقد خلص “أى .جيه” إلى أن الطموح السياسي والمكاسب الاقتصادية والاختلافات الاجتماعية تؤدى إلى إشعال الصراعات التي تسفر عادة عن التفكك الاجتماعي والصدمات النفسية التي يتردد صداها عبر الأجيال مما قد يعيق الدول من التعافي .. لم تقتصر الأثار الضارة الناتجة عن الصراعات المسلحة على ساحة المعركة بل إلى ما هو أبعد من ذلك حيث تمتد لتشمل جميع الجوانب لاسيما “التنمية البشرية” بداية من الصحة والتعليم والضرورات الأساسية كالغذاء والماء والنمو الاقتصادي .. في مقال “محمد أبو هلال” بعنوان “تأثير الحرب على شعوب الشرق الأوسط” صرح قائلاً إن “أفضل شيء في الحرب هو نهايتها” بيد أن الحقيقة المحزنة في الشرق الأوسط هي أن هذه النهاية لم تأت بعد ولا توجد نهاية واضحة في الأفق إذ تؤثر الحرب على جميع نواحي الحياة .. واستطرد “هلال” قائلاً تؤثر الحرب على جميع نواحي الحياة بداية من التأثير على الحياة اليومية وقدرة الناس على تأمين احتياجاتهم الأساسية وإيجاد العمل المناسب بما يتوافق مع ما لديهم من مهارات ومعرفة ناهيك عن تدمير الروابط العائلية .. في تقرير “البنك الدولي” بعنوان “آثار الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد الفلسطيني” أكد التقرير على أن الصراع المستمر في الشرق الأوسط قد أحدث تأثيراً كارثياً على الاقتصاد الفلسطيني مما يدفع الفلسطينيين إلى كارثة غير مسبوقة إذ أسفرت الحرب عن عدد هائل من الضحايا مصحوباً بنزوح واسع النطاق أثر على ما يقرب من 1.9 مليون شخص .. وقد أكد التقرير على أن “الانكماش الاقتصادي” وانهيار الخدمات الأساسية في كل من “الضفة الغربية” و”قطاع غزة” مع ارتفاع حاد في معدلات الفقر في كل أنحاء الأراضي الفلسطينية وقد كان “الانكماش الاقتصادي” الناجم عن الحرب غير مسبوق إذ انخفض الناتج المحلى الإجمالي الحقيقي بشكل حاد في الضفة الغربية .. وقد خلص التقرير إلى ضرورة العمل على إنهاء الأعمال العدائية للسماح باستعادة الخدمات الأساسية وبدء الانتعاش الاجتماعي والاقتصادي بالإضافة إلى حث المجتمع الدولي على زيادة التمويل للحفاظ على الخدمات الأساسية والبدء في التخطيط للتعافي والإعمار على المدى الطويل ..من ضمن الآثار الكبيرة التي تخلفها الحروب هي التأثير النفسي على الأطفال الذين عاصروا هذه المذابح البربرية التي لن تبرح ذاكرتهم بما تسببه من ألم نفسى مؤلم وشعور باليأس ومحاولة التخلص من الحياة .. في دراسة “رونالد هولدين” بعنوان “دراسة مقطعية للألم النفسي وإستراتيجيات المواجهة والأساليب العلاجية لطلاب الجامعات الفلسطينية” صرح قائلاً لقد أثرت تلك الحرب المطولة بين غزة وإسرائيل بشكل عميق على الصحة النفسية لطلاب الجامعات الفلسطينية وهو ما تجلى بوضوح في ارتفاع مستويات الألم النفسي .. واستطرد “هولدين” قائلاً أن ما يعانى منه الطلاب الفلسطينيين هو ألم نفسى شديد يتميز باليأس والشعور بالإذلال والعجز على الرغم من ارتباطه الراسخ بالأفكار الانتحارية إلا أن العلاقة بين الألم النفسي وإستراتيجيات المواجهة أثناء الحرب لاتزال غامضة .. في مقال على رابط “سبرنجر نتشر” بعنوان “التأثيرات النفسية لحرب غزة على الشباب الفلسطينيين ” صرح قائلاً يشهد قطاع غزة هجوماً عسكرياً عنيفاً منذ أكتوبر 2023 مما ألحق خسائر فادحة بالمدنيين إذ عادة ما تؤثر النزاعات المسلحة على الصحة النفسية للمجتمعات المتضررة والناجين حيث ترتفع حالات الاعتلال النفسي من جراء النزوح القسري .. وقد ركزت المقال على مقارنة معدلات الاكتئاب والقلق والتوتر والرضا عن الحياة من خلال مجموعة بيانات سابقة جمعت في عام 2022 من خلال نماذج الانحدار اللوجستي لتحديد العوامل المرتبطة بالاكتئاب والقلق والتوتر واضطرابات ما بعد الصدمة.. وقد توصلت الدراسة التي أجريت على 339 طالب نزح معظهم عدة مرات وفقدت الغالبية العظمى منهم قريباً أو زميلاً أو صديقاً بالإضافة إلى منازلهم ودخولهم بينما عانى 97.05% من أعراض اكتئاب مابين خفيفة أو أعلى.. وقد أبلغ مابين84.37% و90.56% عن أعراض قلق وتوتر مابين خفيفة أو أعلى على التوالي كما تم العثور على مستويات مرتفعة من الشعور بعدم الرضا عن الحياة بينما عانى 63.40% من اضطرابات ما بعد الصدمة.. وقد توصلت الدراسة إلى أن الأعراض الأكثر انتشاراً بشكل ملحوظ كانت من المعدلات الأساسية وكان لدى جميع المشاركين المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة قاسم مشترك واحد على الأقل ألا وهو العيش في مأوى والمعاناة من أعراض توتر ما بين معتدلة أو أعلى .
