
بقلم: شحاتة زكريا
لم يعد العالم كما عرفناه قبل عقدين أو ثلاثة. لم تعد السياسة الدولية تتحرك وفق خرائط ثابتة أو تحالفات راسخة أو عداوات يمكن التنبؤ بمساراتها. ما نشهده اليوم هو عالم جديد تتبدل فيه المواقف بسرعة وتتغير فيه الأولويات باستمرار وتذوب فيه الحدود التقليدية بين الصديق والخصم. إنه زمن المصالح السائلة حيث لا شيء يبقى على حاله طويلا وحيث أصبحت البراغماتية هي اللغة الأكثر حضورا في العلاقات الدولية.. في الماضي كانت السياسة العالمية تقوم على معادلات أكثر وضوحا. كانت هناك معسكرات محددة، وتحالفات ممتدة وخطوط فاصلة يسهل قراءتها. أما اليوم فقد أصبح المشهد أكثر تعقيدا وتشابكا. فالدول التي تتعاون في ملف قد تتصارع في ملف آخر والحلفاء قد يتحولون إلى منافسين والمنافسون قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعاون تحت ضغط المصالح المشتركة…إن المتأمل في المشهد الدولي الراهن يلاحظ أن العقيدة السياسية التي حكمت العالم لعقود طويلة تتعرض لإعادة صياغة عميقة. لم تعد الأيديولوجيا هي المحرك الأول للسياسات الخارجية كما كان الحال في القرن العشرين بل أصبحت المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية هي المحدد الأساسي للقرارات الكبرى…ففي عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتشتد فيه المنافسة على الموارد والأسواق وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة أصبحت الدول أكثر ميلا إلى المرونة وأقل التزامًا بالثوابت التقليدية. لم يعد السؤال المطروح: من هو حليفنا التاريخي؟ بل أصبح: من يستطيع أن يحقق مصالحنا اليوم؟ هذه السيولة السياسية ليست مجرد ظاهرة عابرة بل انعكاس لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة بدأ يفقد ملامحه تدريجيا. والهيمنة الأحادية التي سادت لفترة ليست بالقوة ذاتها التي كانت عليها. وفي المقابل تتقدم قوى جديدة وتسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والتكنولوجي…ومع هذا التحول أصبحت العلاقات الدولية أقرب إلى شبكة معقدة من المصالح المتداخلة منها إلى معسكرات متواجهة. فالتنافس بين القوى الكبرى لم يعد يقتصر على السلاح والجيوش بل امتد إلى الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والفضاء السيبراني. وأصبحت التكنولوجيا في كثير من الأحيان أكثر تأثيرا من الدبابات والبيانات أكثر أهمية من النفط في بعض المجالات.. وفي خضم هذه التحولات تواجه الدول المتوسطة والنامية تحديا بالغ الصعوبة. فهي مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق بين القوى المتنافسة دون الانحياز الكامل لأي طرف وفي الوقت نفسه السعي إلى تحقيق مصالحها الوطنية وسط بيئة دولية شديدة التقلب.. لقد أصبح فن إدارة العلاقات الدولية اليوم أقرب إلى السير فوق حبل مشدود. فالدول التي تنجح هي تلك التي تمتلك رؤية واضحة لمصالحها وقدرة على المناورة ومرونة في بناء الشراكات دون التفريط في ثوابتها الاستراتيجية. أما الدول التي تكتفي بردود الأفعال فإنها غالبا ما تجد نفسها رهينة لقرارات الآخرين.. ولعل منطقة الشرق الأوسط تقدم نموذجا واضحا لهذه التحولات. فالمنطقة التي ظلت لعقود طويلة ساحة للصراعات التقليدية تشهد اليوم إعادة ترتيب للأولويات. فالقضايا الاقتصادية والاستثمارية ومشروعات الطاقة والتكامل الإقليمي باتت تحتل مساحة أكبر في حسابات العديد من الدول. ولم يعد من الممكن فهم المشهد الإقليمي من خلال منطق الصراع فقط بل أصبح من الضروري فهم شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تتشكل في الخلفية.. وفي الوقت نفسه تكشف الأزمات الدولية المتلاحقة عن حقيقة مهمة وهي أن النظام العالمي لم يعد قادرا على فرض حلول حاسمة كما كان يحدث في مراحل سابقة. فالحروب تطول والأزمات تتعقد والتوافقات الدولية تصبح أكثر صعوبة. والسبب في ذلك أن مراكز القوة لم تعد محصورة في عدد محدود من اللاعبين بل أصبحت موزعة بين قوى دولية وإقليمية وشركات عملاقة ومنصات رقمية ومؤسسات مالية عابرة للحدود.. وهنا تبرز مفارقة لافتة. فالعالم يبدو أكثر اتصالا من أي وقت مضى بفضل التكنولوجيا لكنه في الوقت ذاته أكثر انقساما. تبدو الأسواق مترابطة لكن المصالح متنافسة. وتبدو الحدود أقل صلابة أمام تدفق المعلومات لكنها أكثر حساسية أمام التهديدات الأمنية والاقتصادية.. لقد دخلت السياسة الدولية مرحلة لم يعد فيها النفوذ يقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية بل أيضا بالقدرة على التأثير في تدفقات المعرفة والتكنولوجيا والمعلومات. ومن يمتلك أدوات التأثير في هذه المجالات يمتلك جزءا مهما من مفاتيح المستقبل…وفي هذا السياق تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في مفهوم القوة ذاته. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد قدرة على الردع بل أصبحت قدرة على الابتكار والتكيف والاستشراف. والدول التي تستثمر في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي تضع نفسها في موقع أفضل داخل النظام العالمي الجديد.. ومع كل هذه التحولات يبقى الثابت الوحيد هو أن المصالح الوطنية ستظل المحرك الأساسي لسلوك الدول. لكن الفارق أن هذه المصالح أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا وسيولة من أي وقت مضى. ولذلك فإن قراءة السياسة الدولية بعقلية الأمس قد تقود إلى استنتاجات خاطئة بشأن عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.. إننا نعيش لحظة تاريخية فارقة لحظة تتشكل فيها قواعد جديدة للعلاقات الدولية وتعاد فيها صياغة موازين القوة وتختبر فيها قدرة الدول على التكيف مع واقع عالمي متغير. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون النجاح حليف الأقوى فقط بل حليف الأكثر فهما لطبيعة التحولات الجارية.
وفي النهاية ربما يكون الوصف الأدق لعصرنا أن السياسة الدولية لم تعد لعبة شطرنج تحرك فيها القطع وفق قواعد ثابتة بل أصبحت أشبه ببحر متغير الأمواج والتيارات. ومن لا يمتلك البوصلة والرؤية والقدرة على قراءة الاتجاهات قد يجد نفسه تائهًا وسط عالم لا يعترف إلا بمن يفهم لغة المصالح قبل أن يفاجئه تغيرها.. إنه زمن المصالح السائلة زمن لا مكان فيه للجمود ولا ضمان فيه للتحالفات الدائمة ولا بقاء فيه إلا لمن يملك القدرة على التكيف مع عالم يعيد تشكيل نفسه كل يوم..







