
بقلم : د.مريم حنا اسحق
باحثة دكتوراه كلية الزراعة جامعة المنيا
تُعَد الزراعة من أهم القطاعات الحيوية في مصر، فهي ليست مجرد مصدر للغذاء بل تمثل أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المصري. يعتمد عليها ملايين المزارعين في كسب رزقهم، كما تُسهم في تشغيل الأيدي العاملة ودعم الصناعات الغذائية والنسيجية، وتوفير العملات الأجنبية من خلال الصادرات الزراعية. وتكمن أهميتها أيضًا في دورها الكبير بتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ورغم تلك الأهمية البالغة، يواجه القطاع الزراعي المصري العديد من المشكلات التي تعرقل تقدمه وتحد من إنتاجيته. من أبرز هذه التحديات نقص المياه نتيجة محدودية حصة مصر من نهر النيل وزيادة الطلب المحلي، ما يستلزم التحول إلى نظم الري الحديثة بالتنقيط والرش وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها. كما يعاني القطاع من تفتت الملكية الزراعية وصِغَر الحيازات، وهو ما يمكن معالجته من خلال تشجيع الزراعة التعاونية وإنشاء جمعيات إنتاجية مشتركة لزيادة الكفاءة وتقليل التكاليف.
وتُعَد ضعف كفاءة استخدام الأسمدة والمبيدات من العقبات الخطيرة التي تؤدي إلى تلوث التربة والمياه، والحل هو تدريب المزارعين على الممارسات الزراعية السليمة. كما يجب التوسع في استخدام بدائل الأسمدة الكيماوية وتشجيع المزارعين على الزراعة العضوية والمركبات النظيفة حفاظًا على البيئة وصحة الإنسان. ويجب أن تولي الدولة اهتمامًا خاصًا بصناعة المخصبات العضوية المحلية، مثل تجربة شركة “أورجانيك بيور” للأسمدة الزراعية التي أتشرف بقيادتها، والتي تسعى لتقديم منتجات صديقة للبيئة تسهم في رفع جودة المحاصيل وخفض الأضرار الناتجة عن الكيماويات. هذا التوجه يحتاج إلى دعم حقيقي من الدولة ومساندة من المستثمرين حتى يتوسع ويصبح أحد ركائز الزراعة النظيفة في مصر.
كذلك تدهورت خصوبة كثير من الأراضي وارتفعت ملوحتها، مما يتطلب إضافة المادة العضوية وتحسين التربة وتناوب المحاصيل للحفاظ على الإنتاجية. كما أدى انتشار الآفات والأمراض النباتية إلى خسائر اقتصادية كبيرة، والحل يكمن في دعم المكافحة الحيوية وإنشاء نظم إنذار مبكر للأمراض للسيطرة عليها قبل تفاقمها. ومن ناحية أخرى، يعاني الإرشاد الزراعي من ضعف واضح وتراجع في دوره التوعوي، لذا من الضروري تطوير الإرشاد الإلكتروني وربط كليات الزراعة بالمزارعين ميدانيًا لضمان تطبيق نتائج البحث العلمي في الحقول.
ويواجه المزارع أيضًا ارتفاعًا في تكلفة مستلزمات الإنتاج الزراعي، وهو ما يمكن تخفيفه عبر توفير قروض ميسرة ودعم حكومي للمستلزمات الأساسية. ويُضاف إلى ذلك الاعتماد الكبير على استيراد التقاوي والأسمدة، مما يستدعي دعم إنتاج التقاوي المحلية وتشجيع الاستثمار في صناعتها داخل مصر لتحقيق الاكتفاء الذاتي. أما ضعف التسويق الزراعي وغياب سلاسل القيمة فيؤدي إلى خسارة جزء كبير من الإنتاج قبل وصوله للمستهلك، ويمكن حل ذلك بإنشاء بورصات زراعية ومراكز حديثة للتعبئة والتبريد والتصنيع الزراعي. وأخيرًا، يشكل التغير المناخي خطرًا متزايدًا على الإنتاج الزراعي بسبب ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وظهور أمراض جديدة، مما يتطلب استنباط أصناف مقاومة وتطبيق نظم الزراعة الذكية مناخيًا.
إن تطوير الزراعة المصرية لم يعد خيارًا بل ضرورة وطنية لضمان أمن البلاد الغذائي واستدامة مواردها الطبيعية، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال رؤية علمية متكاملة تجمع بين البحث والتطبيق والمشاركة المجتمعية.
إن مستقبل الزراعة في مصر لن يتحقق إلا بالعلم والعقول الشابة المؤهلة علميًا وعمليًا. فشباب الباحثين في كليات الزراعة، من الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه، هم الأمل الحقيقي في نهضة هذا القطاع الحيوي، لما يمتلكونه من معرفة دقيقة بالتقنيات الحديثة وأساليب الإدارة المستدامة للمياه والتربة والمحاصيل. هؤلاء الشباب هم القادرون على تحويل التحديات إلى فرص، والنهوض بالإنتاج الزراعي بما يواكب التطور العالمي.
ومن هنا، نوجّه رسالة إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي:
نرجو من سيادتكم أن تُعطوا مزيدًا من الاهتمام والدعم لهؤلاء الشباب المتخصصين في المجال الزراعي، فهم طاقة هائلة لم تُستثمر بعد بالشكل الذي يليق بقدراتهم. إن إشراكهم في مواقع اتخاذ القرار وتكليفهم بإدارة المشروعات الزراعية القومية هو الطريق الحقيقي نحو الإصلاح الزراعي والتنمية المستدامة.
وفي المقابل، يجب أن يتم التخلّص من الوجوه القديمة التي أثبتت فشلها وأصبحت عبئًا على القطاع الزراعي، لأنها لا تملك رؤية ولا رغبة في التطوير، بل تساهم في خلق المشكلات وتعميقها. لقد آن الأوان لأن تتجدد الدماء في مؤسسات الزراعة المصرية، وأن تُمنح الفرصة لمن يمتلك العلم والإخلاص والطموح للنهوض بهذا الوطن.
