
بقلم: أ.م.د. سهام عبد الباقي
رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الاسلامية بمنيسوتا (المركز الرئيسي)
منذ بِدء الخليقة اقتضت مشيئة الله أن يتحمل الإنسان “الأمانه” بإختياره الحر وإرادته المٌطلقة بعد أن عرضها الله على مخلوقاته كالسموات،الأرض،والجبال تحقيقًا لعدله المٌطلق الذى يقتضى عدم الأكراه. فخافوا أن يتحملوها ولم يٌطيقوها وعندما عرضها الله على آدم أول خلقه ورسله، سأل ربه وما فيها ؟ فقال تعالى:إن أحسنت جٌزيت وإن أسأت عٌوقبت فقبل أن يحملها فوصفه الله تعالى “بالجهل” لعدم ادراكه الكافي بعواقبها ومسؤلياتها الجسيمة فى قوله تعالى “إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا”.{الأحزاب: آية 72}.والمقصود بالأمانه هنا، كما ورد فى شرح أبن الباز أمرين الأول:”أمانة الإيمان بالله” كأداء الفرائض والعبادات، والأمر الثاني: قضاءحاجات الناس وأداء حقوق الناس جميعهم. وأداء الحقوق يكون دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين. من أجل تلك الأمانة أرسل الله الٌرسل مٌبشرين بفضل الله وعطائه للمتبعين رسله، ومنذرين ومحذرين للمخالفين، والمتأمل فى حقيقة إرسال الرسل يجدها تأصيل لمبدأ حرية العقيدة والإعتقاد، وحرية الفكر والإختيار فلو شاء الله لجعل البشر جميعهم على دين واحد ، لكنه تعالى أرسل رسله تباعًا لتطهير الشرائع على مر العصور والحِقب التاريخية مما علق بها من مٌمارسات ثقافية واجتماعية أبعدتهاعن جوهرها المٌقدس وجعلت الأعراف تطغى عليها. وقد أتت الشرائع السماوية بكل صور التسامح العقائدى والسلوكى فالله سبحانه قد أعطي الإنسان حرية الإختيار حتى بين الإيمان والكفر فمبدأ الحرية الدينية في الإسلام يعني الإعتراف بالتعددية الدينية، وعقوبة المٌرتد في الشريعة الإسلامية ليست جزاء ردته فهذا أمر شخصى فردى طالما أنه لم ينشر أفكاره تلك بين الناس فليس لأحد عليه سلطان.ولكنه يعٌاقب بنشرها لما فيها من إثارة للفتن وإفساد للنظام العام في المٌجتمع. فإذا كان الله لا يٌجبرنا على الطاعه وعلى الدين الذى هو الغاية من خلق الانسان ومَناطٌ الإستخلاف فمن أين نشأت فكرة الجبر والأكراه ؟!!!!!
لعل تلك الافكار المقيتة البغيضة رسختها منظمومة القيم والعادات والتقاليد والأعراف التى تسود المجتمعات والتى وضعت الإنسان فى موقف المٌضطر وجعلته يحيا بإزدواجية فيحيا كيفما شاء، وكيفما وجهته ميوله، ونوازعه في الخفاء بينما يحيا في العلن وفق الإطار الذى ارتضته منظومة القيم الإجتماعية فإذا ما ذهب إلى مجتمع آخر أكثر إنفتاحًا انسلخ عن هويته الدينية والثقافية ليحيا بالثقافة المغايرة فتتكون شخصية مذبذة يسهل السيطرة عليها وتطوعيها وبرمجتها لتحقيق أجندات خارجية وان كانت تضر ببلده ومجتمعه وتخالف التعاليم الدينية السمحة . وكثيرا ما يؤدى نمط التربية غير السوية القائمة على العنف والقهر والتهميش إلى إفراز شخصية عدوانية السمات والميول تجد متعتها في إلحاق الأذى والضرر بالآخر وتوجيه سلوكه. وأكبر دليل على حرية الإنسان فى تبنى أفكار ذاتية بعيدة عن رؤىء المجتمع ما ورد فى القرآن الكريم من رفض لجميع المٌبررات التى ساقها المٌستضعفون فى الأرض الذين استسلموا لأفكار مجتمعاتهم بدعوى الاستضعاف والجبر. ولو قمنا بإجراء دراسات اجتماعية حول الإشخاص الذين يأتون الجرائم، ويٌمارسون الترهيب، والتنكيل بالأخرين لوجدناهم جميعًا قد تم قهرهم وسحقهم فى طفولتهم فقاموا بردة فعل عنيفة تجاه مجتمعاتهم وأوطانهم. وكان النبى محمد صلى الله عليه وسلم يحاور الشباب بالحجه، والاقناع، والنصح الجميل، لا سيما الفتى الذى أتاه يستئذنه أن يسمح له بالزنا فسأله النبى هل تحبه لأمك؟ أو أختك؟ أو إبنتك؟. فكذلك الناس لا يحبونه ، فقد الزم الفتى بالحجة في جريمة إجتماعية وأخلاقية كبيرة مما يؤكد أنه لو اتبعنا طرق النصح والتوجيه السليمة مع شبابنا لصنعنا أجيالاً تحيا بسلام داخلى وتسعى نحو البناء والإعمار وتعمل على رقىّ المجتمع.
فلننشر ثقافة المحبة والتسامح ولنفتح أبواب الحوار البناء بين الأديان والثقافات المختلفة ولنستأصل جذور الغل والكراهية لتسود المحبة ولتنعم البشرية بالسلام الذى هو دعوة الله ورسله.
