
بقلم / سامح إدوار سعدالله
تُثيرك قصص الأجداد بما فيها من غموض وسحر وتشويق، يذهب بك إلى عالم بعيد، أبعد من عالم الخيال، هناك عندهم فقط، عجب العجاب، أسرار الكون والحضارة والتاريخ، والتي يصعب أن يتخيلها العقل البشري، في قصص وأساطير الحضارة المصرية القديمة، في فكرها وفلسفتها وعلمها وأدبها، ليس فقط الأهرامات التي تُعد من عجائب الدنيا السبع، لا هناك علوم وفلسفة وعلم تفوق الخيال؛ علم الفضاء والفلك؛ وهل نبغ أيضًا المصريون في هذا العلم؟ بدون شك نعم.
لا بل سبقوا الدنيا والعالم بأسره في هذه العلوم، ونقشوها على جدران معابدهم، وسجلوها في مخطوطاتهم، نعم، إنهم صناع الحضارة، تلك الحضارة التي يلهث العالم كله، بدون استثناء، من دول العالم الأول أو الثالث، لينهل منها ومن علومها، ويحاول التقرب من بعيد أو قريب، لينال شرف التقرب من هذه الحضارة، وأنتم تعرفون ذلك جيدًا. تعددت الأغراض منها: بالدراسة أو المحاكاة، ربما التقليد، بيع، شراء، ولم تخلُ من السرقة، وحتى أن وصلت للنهب، واسأل التاريخ وأحداثه، فهو خير من يجيبك. ولكن لماذا؟ وما تخفيه هذه الحضارة من سحر، جعل العالم يجثو على ركبته طمعًا في جزء من هذه الحضارة والعلم، وحتى وصل إلى حد أنهم ينسبون أنفسهم غشمًا أنهم أبناء لهذه الحضارة. لك أن تعرف أن مصر هي الأولى من ابتكر التقويم الشمسي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على حساب الفلك وحركة النجوم، ومن هنا استخدام التقويم كأداة لتقسيم الوقت وتحديد التواريخ، بدأ مع الحضارات القديمة. كان المصريون القدماء قد استخدموا تقويمًا يعتمد على الشمس لتحديد مواعيد فيضان النيل، وهو أمر حيوي للزراعة. لذلك عن الفضاء والفلك ولوحة الأبراج نتحدث: هل تساءلت يومًا كيف تمكّن الفراعنة من بناء أهراماتهم بهذه الدقة الباهرة التي تتوافق مع النجوم والكواكب؟ إنّ هذه الدقة لم تكن محض صدفة أو نتاج هندسة عبقرية فقط، بل كانت ثمرة معرفة عميقة بالفلك والفضاء، امتلكها المصريون القدماء. كانت دراسة المصريين القدماء تختص بالسماء وحركة النجوم والكواكب، وراقبوها جيدًا، وربطوا في علاقة قوية بينها وبين الإنسان وطباعه، وهي مرآة للحياة والموت، وخارطة تقود أرواحهم إلى العالم الآخر، حيث يقيم الآلهة الذين كانوا يعتقدون بإمكانية التواصل معهم من خلال حركات الشمس والقمر والنجوم. كما هو معروف جيدًا وقرأناه في كتب المستشرقين عن دراسة الحياة الاجتماعية والدينية في مصر القديمة ومن خلال معتقداتهم، لم تكن الشمس مجرد جرم سماوي، بل إله يُدعى الإله رع في مصر القديمة، هو إله الشمس وأحد أهم الآلهة في الديانة المصرية القديمة. كان يُعتقد أنه يمثل قرص الشمس ورمزًا للحياة والخصوبة. غالبًا ما صُوّر رع على هيئة بشرية برأس صقر، وعلى رأسه قرص الشمس، ويحمل صولجانًا في يده اليسرى ومفتاح الحياة (عنخ) في يده اليمنى. كان يُعتقد أن رع يقوم برحلة يومية في زورق عبر السماء، تجلب الشمس إلى الأرض، يبحر في السماء نهارًا على متن قارب يُسمى “شو”. وقد أطلقوا على تلك المرحلة الليلية اسم “دات”، وكانوا يؤمنون بأن الشمس تُبعث من جديد كل صباح بعد انتصارها على قوى الظلام. أما القمر، فقد ارتبط بالإله “تحوت”، وكان له دور في حساب الزمن وتحديد المواقيت، ما جعله مقدسًا لا يقل شأنًا عن الشمس. وقد وجدوا علاقة وثيقة في دراسة وتحليل النفس البشرية وطباع البشر حسب يوم ميلاده، وما هي الحالة النفسية والمزاجية التي يكون عليها الإنسان عندما يُولد في تاريخ يتوافق مع هذا البرج، وهي مقسّمة كما هي منذ قديم الزمان. إنّ ما تنشره الجرائد وما تخبره عن حظك اليوم من مواليد هذا الشهر أو طبع هذا الإنسان لما يتوافق مع هذا البرج، فلم تكن الأبراج والنجوم أقل أهمية في هذه المنظومة الفكرية، فقد قدّس المصريون الأنثى وجعلوها رمزًا للخلق الكوني، وصوّروها في هيئة الإلهة “نوت” التي تبتلع الشمس ليلًا وتلدها صباحًا. واعتبروا أن السماء ليست ثابتة، بل كيانًا حيًا يتغير ويتفاعل، وأن النجوم هي أرواح الآلهة التي تهدي الموتى في رحلتهم الأبدية. هذه الرؤية الفلكية المعقدة لم تكن محض خيال ديني، بل كانت جزءًا من منظومة علمية دقيقة، تجلت في تصميم المعابد والمقابر والأهرامات التي اصطفّت في خطوط تتبع النجوم بدقة مذهلة. من أبرز الشواهد على هذه العبقرية الفلكية، يأتي “زودياك دندرة”، وهو خريطة فلكية دائرية نُقشت على سقف معبد حتحور بمدينة دندرة بمحافظة قنا في صعيد مصر. تُعد هذه الخريطة أقدم تمثيل معروف لنظام الأبراج في العالم، وتُظهر الأبراج الاثني عشر كما تصوّرها المصريون، مع رموز للكواكب والنجوم ومساراتها. وتتميز بتفاصيل فريدة، منها تصوير برج الدلو على هيئة الإله “حابي” حاملًا كأسين تتدفق منهما المياه، واستخدام 36 رمزًا نجميًا لتقسيم الليل إلى ساعات، والسنة إلى عشريات مكوّنة من عشرة أيام. (يمكنك مشاهدة هذه الصورة جيدًا على جوجل أو تجد اللوحة المقلدة قائمة مكان اللوحة المسروقة في معبد دندرة في الطابق الثاني بجزء من المعبد). لم يكن هذا النقش مجرد زينة معمارية، بل وثيقة علمية ودينية تمثل تداخلًا بين الفلك والإيمان. وقد أثار الزودياك جدلًا واسعًا في أوروبا، خاصة بعد أن نُقل إلى باريس في بداية القرن التاسع عشر، عندما سرقها الفرنسيون، وقد علموا بقيمة هذه اللوحة منذ كانت الحملة الفرنسية في مصر، وقد درست الحملة الفرنسية الآثار المصرية بالتفصيل، وحفظتها عن ظهر قلب، وقد خططت لسرقتها بعد رحيل الحملة، عندما قام الفرنسي سيباستيان لويس سولينييه بفصله عن سقف المعبد باستخدام المناشير والأزاميل والبارود، ونقله إلى متحف اللوفر، حيث ما زال معروضًا حتى اليوم. وقمة العجب أنهم وضعوا مكانه لوحة مزورة بنفس التفاصيل. وقد مُنح هذا السارق مكافأة مالية ضخمة، واحتُفل بالقطعة في باريس كما لو كانت انتصارًا حربيًا أو اكتشافًا علميًا مذهلًا، وسط تجاهل تام لأصلها المصري ومغزاها الحضاري العميق. عشق الفرنسيين الحضارة المصرية القديمة، وجن جنونهم بسحرها وعالمها، وقد أثّرت هذه المعركة في الفكر الأوروبي لعقود طويلة، وكانت من بين أسباب نشأة علم المصريات الحديث. فقد أسهم شامبليون، بعد فك رموز حجر رشيد، في إثبات أن أجزاء من معابد دندرة وإسنا بُنيت في العصر البطلمي والروماني، مما رجّح أن الزودياك يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد. إلا أن هذا الاكتشاف لم يُنهِ الجدل، بل زاد من أهمية النص، وعمّق فهمنا لطبيعة التفكير العلمي عند المصريين. ولذلك تجد أن الفريد والنادر في اطلاعك أو دراستك لتاريخ وحضارة مصر القديمة، هناك سحر يجعلك تتابع بشغف كل كبيرة وصغيرة من تفاصيل هذه الحضارة العظيمة التي هزّت أرجاء العالم. تجد بعثات من كل أنحاء العالم، في مقدمتهم فرنسا، والتي تعتبر نفسها المكتشف الأول لهذا العلم، ولها الفضل الأكبر في لفت أنظار العالم لعلم المصريات، بأسراره وسحره الذي يُبهر ويسحر العالم.
