
بقلم: إبراهيم الديب
رجل طاعن في السن يجلس مستندا على حائط بيته القديم ينتظر بشغف شديد صبيا في العاشرة من عمره: يأتي اليه في وقت معلوم من صباح كل يوم؛ هو رجل عاش من العمر عتيا توفي ابنه بالشيخوخة، وهو مازال علي قيد الحياه عند مشاهدته للصبي من يعيد حاول الاعتدال في جلسته ولكن المحاولة فشلت أو أعتقد أنه فعل فهو شبه مكوم على الأرض لاقتراب كل اعضائه من بعضها البعض فليس هناك مسافة كبيرة بين رأسه وقدميه لانكماش الطول والعرض منه بمرور عقود خلت من الدهر عليه وهو حي يرزق ،.
أقبل عليه الصبي اليتيم يحمل عشبا ينبت بالقرب من شاطئ البحيرة ؛ يطلبه العجوز منه لعلاج لتورم قدميه القعيدة منذ عدة عقود ،نصحه التداوي بها من لهم خبرة في العلاج بالأعشاب ،لتربط بينهما شجرة العشب بين الطفل والعحوز علاقة ظاهرها عشب يغلى في الماء ويدهن به العجوز قدميه، وباطنها علاقة إنسانيه وخاصة بعد وفاة والدة الصبي ، وزواج والده من أخري, لا تهيئ له مناخاً يشجع الطفل على البقاء في البيت ، فهي لا تدعوه مشاركة أولادها واخوته من أبوه طعاما ، يخصهم دون اليتيم ، أما العجوز فلا تسمح له أفراد عائلة ابنه المتوفى بزيارة أحدا له في البيت حتى وإن كان الصبي ولا تترك له فرصة البقاء خارجه ،إلا فترة الضحى لعرض قدميه على شمس الصباح بناءً على وصية من طلب منه التداوي بالعشب فهو رجل محددة إقامته من قبل أحفاده ووالدتهم .
فترة جلوسهما سويا هي أسعد اوقاتهما يدب فيها شيء من نشاط في أوصال الرجل العجوز المفككة التي تعاني تصالحا وانسجاما مع بعضها البعض، و يستعيد شغفا بالحياة فارقه من فترات طويلة: لكونه يأنس بالصبى الذي يأتيه بأجوبة من أناس كان يعرفهم على أسئلة حملها الصغير إليهم من العجوز : وهم قلة ممن تبقى على قيد الحياة كان على علاقة بهم, ولا ينسى الصبي اخباره بكل ما يدور في القرية من أحداث تصل العجوز بالماضي فيشعر بعدها أنه مازال على قيد الحياة، ليكتشف الصبي قدرته اثناء سرده من قصص وحكايات على مسامع العجوز ببراعة : العجوز أشد منه استمتاعا بالإنصات إليها ليعود الرجل للعيش فيما يصل إليه مرة اخرى: ويلمع بريق الحياة في عينيه وتغمر نفسه سعادة و تسري في كيانه تعبر عنها ملامح وجهه ولكن عافيته تعجز عن ترجمة ما ينصت اليه لواقع معاش ثم يغيب عن الصبي في سرحة طويلة يعود بعدها مشرق الوجه.
يبدو العجوز أثناء حكايات الصغير اصغر عمرا، وأكثر إقبالا على الحياة، أما الصبى فلم يشعر بحنان بعد وفاة والدته ، الا بحنو العجوز عليه الذي يضع في يده بضعة قروش كلما جاءه بالعشب ، ليبدأ الصبي بعدها بفض مكنون نفسه للعجوز وشكوته قسوة زوجة والده الذي ينال منه عقابا على ما لا يقترفه من ذنب ،وما زال الحائط القديم الآيل للسقوط شاهدا على ؛رجل طاعن في السن لديه تجربة وحكمة حياة خبرها جيدا ووعى من أسرارها الكثير ، وصبيا في مقتبل العمر يحتفظ ببراءته ودهشة تجاه الناس والأشياء، لم تلوثه الحياة بعد: ليرى العجوز بعين الصغير من يأتيه بكل ما يصله ونمى لسمعه من اخبار الناس ويفرغها في رأس العجوز لتؤجج نفسه وتتوهج بها روحه رغبة في العودة للحياة من خلال حكايات الصغير الذي يلوذ بعدها الصبي كالعادة قبل مغادرة الرجل لصمت موحش ينهش كيانه.
عند ذهاب الصبي لبيت صديقه آخر مرة وكان يحمل إليه من شجرة العشب واخبار كثيرة جمعها عن ناس القرية، لم يجده في انتظاره كالعادة فسأل عنه احد احفاده ؟ فأجابه بغلظة: مات صديقك لم ينطق الصبي بكلمة تجمد الدمع في عينيه وذهب حيث لا أحد ثم انفجر بكاء متواصل من اعماقه لم يكن حزنه العميق علي العجوز فقط، بل على فقد والدته، و قسوة الحياة زوجة أبيه وعن: قروش يضعها صديقه العجوز في يده وبث كل منهما شكواه للآخر؛ أثناء استنادهما علي حائطا آيلا للسقوط..
