
هناك نوعان من البشر نوع يعيش مع الناس يشعر بهم يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ونوع آخر يعتقد أنه يعيشفوق الناس يرى نفسه في مكان والناس في مكان آخر. ومهرجان الجونة قدم لنا النوع الثاني بكل وضوح.
في وقت تمتلئ فيه الأخبار بصور الخيام والحدود المغلقة والأمهات التي تودع أبناءها وتلك العائلات التي لا تجدمأوى ترى هناك في الجونة عالماٌ آخر عالماٌ يلمع تحت الأضواء عالم لا يعرف شيئاٌ عن طوابير المساعدات ولا عنأصوات الطائرات ولا عن البيوت التي تهدم فوق رؤوس أصحابها
لم نعد نعرف هل نحن أمام مهرجان للسينما أم أمام عرض طويل للأزياء فما يحدث في الجونة كل عام لم يعد لهعلاقة بالفن ولا بالسينما ولا برسالة الفيلم بل أصبح سباقاٌ على من ترتدي الأغرب ومن يظهر بشكل أكثر إثارة للجدل.
نجد الصحف بدلاٌ من أن تكتب عن فيلم ناقش قضية مهمة أو عن مخرج قدم فكرة جديدة أصبحت تكتب عن فستانفلانة وبدلة فلان وتسريحة فلانة وكأننا في سوق للملابس لا في مهرجان من المفترض أنه يحمل اسم مصر.
– مهرجان الجونة بين السينما والعري
وبدلاٌ من أن يتجه نظر الجمهور إلى السجادة الحمراء لمتابعة فن راقى أو تكريم عمل سينمائي جاد وحقيقى أصبحيتجه لمشاهدة سباق في كشف الجسد. لقد تحول المهرجان من إحتفال فني إلى عرض للأزياء الفاضحة. فساتينشفافة وصدور عارية وظهور مكشوفة وكأن الأناقة لا تتحقق إلا بالتعري.
إن الفن رسالة سامية وذوق رفيع وإحترام للمجتمع الذي يتابعه فإذا فقد الفن حياءه فقد قيمته. وإذا تحولت الفنانةإلى جسد يعرض فماذا بقي من موهبتها.
إننا لا ندعو إلى تقييد الحرية ولكننا ندعو إلى إحترام الحياء العام وإلى إدراك أن الجمال الحقيقي في الوقار لا فيالإبتذال فهو لا يتعارض مع الأناقة بل هو قمة الأناقة.
لقد آن الأوان لإدارة المهرجان أن تضع ضوابط تحفظ للفن كرامته وللمشاهد إحترامه وللمرأة قيمتها الحقيقية بعيداٌعن لغة الجسد العاري
– لسنا ضد الفن لكن:
هل نحن ضد الفن لا والله فمصر هي الفن والفن هو مصر ومنذ أن عرفنا السينما وهي مرآة الشارع المصري مرآةالفلاح والعامل والموظف والبسيط الذي يضحك رغم تعبه لكن أي فن هذا الذي يدير ظهره للناس أي فن هذا الذييرقص بينما جاره يبكي.
الناس البسطاء في الشوارع لا يطلبون المستحيل لا يطلبون إلغاء المهرجانات ولا إغلاق دور السينما هم فقطيطلبون قليلاٌ من الحياء قليلاٌ من الإحترام للوقت الذي نمر به. يقولون إذا كان إخواننا في ضيق فلا أقل من أن نخفضصوت الموسيقى قليلاٌ وأن نراعي مشاعر القلوب الموجوعة
ما يحدث في الجونة لا يشبه مصر التي نعرفها. مصر التي إذا حزن بيت في زاوية ضيقة حزن الشارع كله. مصر التي إذاتألم جار قام الجيران كلهم ليواسوه. أما ما نراه هناك فهو إستعراض غريب عنا فساتين تتنافس على من يلفت النظرأكثر. وتصريحات تتنافس على من يقول كلاماٌ أغرب. وعدسات تبحث عن أي لقطة تثير الجدل ولا تبحث عن أي معنىيفيد الناس.
– مصر تستحق مهرجاناٌ يشبه حياءها
يظنون أن العالم سيحترمنا حين نقلد مهرجانات الخارج في كل شيء في اللبس وفي المشي وفي الكلام وينسون أنالعالم يحترمنا حين نكون نحن. حين نقدم فناٌ له هويتنا وله أخلاقنا وله رسالتنا.
السجادة الحمراء ليست حراماٌ لكن الحرام أن تمشي عليها أقدام لا تشعر بتراب هذا الوطن. وأن تمر فوقها قلوب لاتسمع نبض هذا الشعب
مصر أكبر من أن تكون نسخة من أحد. ومهرجاناتها يجب أن تكون أكبر من مجرد حفل للصور والإستعراض.
مصر تستحق مهرجاناٌ يشبهها يشبه حياءها. ويشبه وقفتها مع جيرانها لا مهرجاناٌ يشبه عروض الأزياء التي لا تنظر إلاإلى نفسها في المرآة.
نريد مهرجاناٌ يكرم أماٌ صبرت. نريد فيلماٌ يحكي عن أب باع كل شيء ليطعم أولاده. نريد فناٌ يقول للعالم إننا رغم كلالإضطرابات نحن شعب حي لا ينسى أصله ولا يتنكر لألمه.
إما أن نعيش في عالم موازي. عالم لا يسمع ولا يرى فهذا ليس فناٌ هذا إنفصال عن الواقع. والفن الذي ينفصل عنالواقع يموت ولو صفق له الجميع.






