
د. بهي الدين مرسي
وكان حديث الأمس حول المفاهيم الشعبية التي تختبئ في الطب وتنسب اليه، وهو براء منها:
* نظارة حفظ نظر:
امر مضحك ان يشتري احدهم نظارة بزجاج عادي مثل الذي تستعرض به “الشنابر”، وظنه انها تحفظ النظر.
لا توجد نظارة تحفظ النظر من أي خلل، سواء عدسات بصرية أو معتمة أو حتى نظارة بلا بعد بؤري، كما أن تعبير “حفظ النظر” خاطئ ويشبه الصك المصرفي على بياض بلا رصيد.
* برد في المعدة:
لا يعرف الطب اصابة أو مرضا تحت مسمى “برد المعدة”، فنزلات البرد هي اصابات فيروسية وميكروبية تصيب الجهاز التنفسي غالبا، أما المعدة وبقية الجهاز الهضمي فأمراضها الفيروسية والبكتيرية ليست من فصيل النزلات الـ (Noncatarrhal).
* على معدة فاضية:
عندما ينصح أحدهم بتجنب تناول أطعمة أو مشروبات على الريق ظنا أن المعدة آنذاك خاوية بلا محتوى، فهذا فهم خاطئ.
دوما هناك محتوى من اللعاب والأحماض والعصارة والمخاط والإنزيمات بمعدة الصائم تقدر بنصف لتر على الأقل.
* مقويات الجسم ومشروبات الطاقة:
أكبر خدعة قام هذا المصطلح من خلالها باستنزاف جيوب البسطاء … كيف؟
لا يفهم الطب معنى مادة غذائية تمنح القوة، سواء القوة العضلية أو الذهنية أو حتى الوظيفية، لأن القوة هي الطاقة التي تجعل الجسم يؤدي وظيفة ما، سواء حركية أو حسية أو حتى معادلة كيميائية صامتة، ويمكنك تشبيه الأمر بوقود السيارة، فأنت تعبئ الوقود ليصبح تحت أمر المحرك يسحب منه ما يكفي لتشغيله، وهذا لا يعنى أن مزيدا من الوقود في الخزان يدفع المحرك للعمل أكثر، ولن يجعل بوق السيارة أكثر صخبا.
أما مشروبات الطاقة، فهي خليط من السعرات الحرارية والمنبهات مثل الكافيين وبعض الفيتامينات لتبهر المستهلك بقائمة المتحويات، وبالطبع فإن تجرع هذه المشروبات لا يفجر أي طاقة من أي نوع بالجسم الا اذا كان الجسم بصدد أداء معين، وهنا تتدخل محتويات المشروب بتقديم التحفيز لا أكثر فيما يشبه مفعول “الأدرينالين”، لذا فإن خطورتها تتجاوز التحفيز وقد ترهق عضلة القلب أو النسيج الشبكي بالمخ.
إذن هناك فرق بين مواد محفزة مثل الكافيين والمنبهات والتاورين التي تحاكي تحفيز حصان منهك يجر عربة، ومشروب يمنح سعرات حرارية.
* مقويات جهاز المناعة:
جهاز المناعة هو الأغرب من نوعه بالجسم، واليك وجه الغرابة في تفرده:
– لا موقع تشريحي محدد يخص جهاز المناعة بالجسم مثل بقية الأجهزة سوى الغدة الزعترية والعقد الليمفاوية.
– يستخدم جهاز المناعة أدوات غيره لاتيان وظيفته فهو “يستأجر” بقية أعضاء الجسم لأداء وظائفه، فمثلا: يطلب من الكبد تصنيع البروتين المناعي (زلال وجلوبيولين) لحسابه، ونخاع العظام لانتاج خلايا الدم البيضاء التي يهاجم بها الجراثيم، ويستخدم الطحال (مخزن الحديد) وسائل الليمف في التخلص من نفاياته، ويستخدم أهداب القصبة الهوائية وخميلات الأمعاء في طرد الضرر، وكذلك الكلى والرئتين والجلد ومسام العرق والدموع وصملاخ الاذن واللعاب في تقديم خيراته.
لذلك،
سلامة جهاز المناعة هي المجموع الجبري لسلامة بقية البدن مثل رئة بلا تدخين، شرايين بلا سدد، كليتان بلا جفاف، نوم بلا اضطراب، لذا لا غذاء ولا دواء يرفع نشاطه سواء غذاء الملكات او الملوك أو الحضرمي ولا الكافيار ولا البروكلي ولا مطبوخ الذهب بمسحوق الألماس!!
يظل جهاز المناعة ممتنا لك إن توقفت عن اضعافه، وهو أبدا أبدا لا ينتظر منك شيئا لتقويته.
تأملاية: التكيف أحد صور الإعاقة
لا اصفق لشخص يجاهر ببراعته في التكيف مع مشكلة، بل اشفق عليه.
التكيف يدلل على عجزك عن اتيان الحلول، وبدلا من ان تقاتل لتغير محيطك، رحت تغير من حساباتك لتتوافق مع الوضع، تماما مثل الذى يطوى نفسه لان “اللحاف” قصير.
عندما يتزوج شاب وفتاه فقيرين، يفترض انهما ينويان التغلب على الفقر والسعى للاستمتاع برفاهية تنقلهما مع اطفالهما لمستوى افضل. اما لو حل التكيف ضيفا على الزوجين، فابشر بثلاثة اخرين هم الابناء ليصبح عدد المتأقلمين مع الفقر خمسة بدلا من اثنين.
تربية الناس على مواجهة المشكلات بدلا من التاقلم معها والعيش فيها مدعومين بسند من الآخرين هو جريمة مجتمعية، لانه يقضي على نسخ الحلول المبتكرة من اصحاب العوز مثلما اصبح معظم المشردين في الخارج يجيدون العزف على آلات موسيقية بدلا من التسول بالدعاء ومد الأيدي.
التأقلم مع المشكلة مرادف لغياب العقل، وهو خصلة بارزة في سلوك الكائنات البدائية كالبرمائيات واللافقاريات ووحيدة الخلايا، فعملية البيات الشتوى هى ضرب من التاقلم مع نقص موارد الحياة، ولكنه يلغى نصف عمر الحيوان وهو كالميت.
المضحك ان الاميبا (مخلوق وحيد الخلية) يسير في خط مستقيم، وقد يصادف حبة رمل تعيقه، فيبلتعها phagocytosis، ويخرجها بعد حين تاركها خلفه وقد اوسع لنفسه المسار.







