
بقلم: بهجت العبيدي
حين يكتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي «صرخة الإنقاذ»، فإنه لا يطلق حكمًا عابرًا على عالم مضطرب، ولا يعيد تدوير خطاب تقليدي عن تراجع القيم وتفكك المجتمعات، بل يطرح رؤية فكرية تسعى إلى النفاذ إلى جذور الأزمة الإنسانية، والبحث عن الأسباب العميقة التي دفعت البشرية إلى هذا القدر من الصراعات والتناقضات. إنها صرخة تستنهض الوعي، وتدعو الإنسان إلى مراجعة مساره الحضاري، وتضعه أمام سؤال جوهري: كيف استطاعت البشرية، رغم ما بلغته من تقدم علمي وتقني، أن تعجز عن إقامة عالم أكثر عدلل وأمنً ورحمة؟
تنطلق رؤية الشرفاء من تجربة فكرية ممتدة في قراءة النص القرآني واستكشاف دلالاته الأخلاقية والإنسانية، ومن محاولة الربط بين المبادئ التي جاء بها الوحي وبين ما شهدته المجتمعات البشرية من تحولات تاريخية وسياسية. وهو لا يتعامل مع الأزمة بوصفها مجرد خلل في السياسات أو تنازع على المصالح، بل يردّها إلى أزمة أعمق تتعلق بضمير الإنسان، وبالعلاقة بين السلطة والأخلاق، وبين الدين ومقاصده الحقيقية، وبين ما تعلنه المجتمعات من قيم وما تمارسه على أرض الواقع.
ومن هنا، تكتسب “صرخة الإنقاذ” أهميتها بوصفها دعوة إلى إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها الوعي الديني والأخلاقي، وإلى استعادة الإنسان لمكانته باعتباره غاية الرسالات ومقصد القيم، لا أداة في أيدي القوى التي تسعى إلى توظيف العقائد والمقدسات لتحقيق مصالحها الخاصة.
الدين بين رسالة الهداية وتوظيف المصالح
تقوم إحدى الركائز الأساسية في رؤية الشرفاء على التمييز بين الرسالة الإلهية في جوهرها، وبين الممارسات البشرية التي انتسبت إليها عبر التاريخ. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، ليست في القيم التي تدعو إلى العدل والرحمة والتسامح، وإنما في الطريقة التي جرى بها تأويل تلك القيم أو تعطيلها، وفي تحويل الدين من قوة أخلاقية تحرر الإنسان إلى وسيلة تمنح بعض الجماعات والقوى السياسية مبررات للهيمنة والإقصاء.
لقد شهد التاريخ الإنساني نماذج عديدة لتوظيف الدين في الصراعات على السلطة والنفوذ والثروة. ورفعت جماعات سياسية رايات مقدسة لتبرير الحروب، واستُخدمت الانتماءات الدينية أحيانا لتقسيم البشر إلى جماعات متفاضلة، وكأن الانتماء إلى عقيدة بعينها يمنح صاحبه حقًا استثنائيًا في السيطرة على الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم.
وفي هذا السياق، يوجّه الشرفاء نقده إلى مظاهر التوظيف السياسي للدين في التجارب اليهودية والمسيحية والإسلامية، لا باعتبار أن أتباع هذه الديانات جميعًا مسؤولون عن الانحرافات التي وقعت باسمها، بل باعتبار أن التاريخ يكشف عن قابلية المقدس للاستغلال حين تغيب الرقابة الأخلاقية ويصبح الإيمان غطاءً للمصالح البشرية.
فقد استُخدمت بعض التأويلات الدينية لتكريس تصورات عن التفوق والاصطفاء تمنح جماعة ما شعورا بالاستعلاء على سائر البشر، كما شهد التاريخ الأوروبي حروبًا وصراعات طويلة رُفعت فيها شعارات دينية، بينما تداخلت أسبابها مع التنافس السياسي والاقتصادي وصراعات النفوذ. وفي السياق الإسلامي، ظهرت بدورها جماعات ومذاهب وتيارات حمّلت الدين تفسيرات تبرر العنف والإكراه، وأحيانًا الاعتداء على الإنسان باسم الدفاع عن العقيدة.
لكن الدرس الأهم هنا لا يتمثل في إصدار أحكام عامة على الأديان أو أتباعها، بل في إدراك أن الانتساب الديني لا يكفي وحده لضمان السلوك الأخلاقي. فالإنسان قد يرفع أكثر الشعارات قداسة، ثم يأتي من الأفعال ما يناقضها تمامًا. وعندما تنفصل العقيدة عن العدل، ويتحول الإيمان إلى أداة للتمييز، يفقد الدين دوره في تهذيب النفس وإصلاح المجتمع، ويصبح اسمه وسيلة لتبرير ما جاء أصلًا لمقاومته من ظلم وعدوان.
إن هذا التمييز بين الدين كما يدعو إلى القيم، والدين كما يوظفه البشر في صراعاتهم، يمثل مدخلًا ضروريًا لفهم المشروع الفكري للشرفاء؛ لأنه ينقل النقاش من محاكمة العقائد إلى مساءلة الممارسات والتأويلات التي تُنسب إليها، ويعيد الاعتبار إلى معيار أخلاقي ينبغي أن يخضع له الجميع دون استثناء.
القرآن واستعادة مركزية القيم
لا يقف الشرفاء عند تشخيص الانحرافات، بل يجعل من العودة إلى القرآن الكريم محورًا أساسيًا في مشروعه الفكري. غير أن هذه العودة، في تصوره، لا ينبغي أن تقتصر على التلاوة أو المظاهر التعبدية، ولا أن تتحول إلى استدعاء انتقائي للنصوص لتبرير مواقف مسبقة، وإنما يجب أن تكون عودة إلى المعاني والمبادئ التي تنظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.
فالقرآن، في هذه الرؤية، ليس مجرد نص يُستحضر في المناسبات، بل منظومة من القيم التي ينبغي أن تنعكس في السلوك الفردي والاجتماعي، وفي التشريعات والمؤسسات والعلاقات بين الشعوب. وتبرز في مقدمة هذه القيم مبادئ العدل والرحمة والوفاء بالعهود وصيانة الحقوق ورفض الاعتداء، إلى جانب احترام كرامة الإنسان ومسؤوليته عن اختياراته وأفعاله.
ومن هنا، يبرز سؤال مهم: ما جدوى أن يعلن مجتمع ما تمسكه بالدين إذا كان الظلم حاضرا في مؤسساته، والتمييز متجذرًا في علاقاته، والعدوان يجد فيه من يبرره؟ وما قيمة الخطاب الذي يتحدث عن الرحمة إذا كانت الممارسة اليومية تقوم على الإقصاء والكراهية؟ إن المسافة بين القول والفعل هي، في جانب كبير منها، المسافة التي يحاول الشرفاء لفت الانتباه إليها.
إن استعادة القيم القرآنية تعني، وفق هذا المنظور، إعادة بناء العلاقة بين الإيمان والمسؤولية. فالإيمان لا ينبغي أن يكون امتيازًا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، وإنما تكليفًا يطالبه بالإنصاف وضبط المصالح واحترام حقوق الآخرين. كما أن التدين الحقيقي لا يُقاس بقدرة الإنسان على تصنيف الناس أو إصدار الأحكام عليهم، بل بمدى التزامه بالصدق والأمانة والعدل والرحمة.
وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات مشروع الشرفاء: نقل مركز الثقل من الانتماء الشكلي إلى الممارسة الأخلاقية، ومن الجدل الذي يستنزف طاقات المجتمعات إلى العمل الذي يخفف معاناة الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تحمل المسؤولية عن آثار الأفكار في حياة البشر.
تعطيل الآيات وأزمة العقل الإنساني
من القضايا التي تحتل موقعا مهما في هذه الرؤية ما يمكن وصفه بتعطيل الآيات؛ أي إبعاد دلالات النص القرآني عن واقع الحياة، أو التعامل معها بطريقة لا تسمح لها بأداء دورها الأخلاقي والإصلاحي. فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب النص عن الوعي، بل قد تكمن في حضوره اللفظي مع غياب أثره العملي.
وقد يحفظ الإنسان النصوص، ويستشهد بها في خطاباته، لكنه يعطل مقتضياتها عندما تتعارض مع مصلحته أو انتمائه أو رغبته في السيطرة. وقد تستحضر الجماعات بعض الآيات لتبرير مواقفها، بينما تتجاهل المبادئ التي تضع حدودًا للعدوان وتلزم بالعدل وتحذر من الظلم. وهكذا يصبح النص، الذي يفترض أن يكون مرشدًا للسلوك، جزءا من الصراع على شرعية المواقف المتنافسة.
إن خطورة هذا المسار أنه يضعف قدرة المجتمعات على مراجعة نفسها؛ إذ تتحول المعتقدات إلى مسلمات مغلقة، وتصبح الأسئلة النقدية موضع ريبة، ويُنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديدا بدلا من كونه فرصة للفهم والتصحيح. وعندما يتراجع التفكير النقدي، يجد التعصب بيئة خصبة للنمو، وتتمكن القوى التي تتاجر بالخوف والهوية من حشد الناس خلف شعارات لا تخضع للمساءلة.
وفي تقديري، فإن أهمية هذا الجانب من رؤية الشرفاء تكمن في أنه يربط أزمة التدين بأزمة العقل في الوقت نفسه. فالمطلوب ليس مجرد استعادة خطاب أخلاقي، بل بناء وعي قادر على التمييز بين النص وتأويله، وبين المقصد المعلن والمصلحة المستترة، وبين الإيمان الذي يدفع إلى الإصلاح والتوظيف الذي يحوّل العقيدة إلى وسيلة للسيطرة.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون إتاحة المجال للسؤال والحوار والمراجعة، ومن دون الاعتراف بأن الفهم البشري للنصوص يظل عملا إنسانيا قابلا للنقاش والتصحيح. فاحترام النص لا يعني منح كل تفسير بشري له حصانة مطلقة، كما أن الدفاع عن الدين لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن كل ما قيل باسمه عبر التاريخ.
وحدة الإنسانية أساسًا للسلام
من النتائج المهمة التي يمكن استخلاصها من رؤية الشرفاء أن السلام لا يمكن أن يقوم على مجرد وقف إطلاق النار، بل يحتاج إلى الاعتراف بوحدة الأصل الإنساني وكرامة البشر، مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم ولغاتهم. فالتنوع جزء من واقع البشرية، ولا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتفاضل أو الإقصاء أو الانتقاص من الحقوق.
إن المجتمعات التي تجعل الهوية أساسا للحقوق تفتح الباب أمام أشكال متجددة من التمييز، بينما المجتمعات التي تجعل الكرامة الإنسانية أساسًا مشتركًا تستطيع أن تدير اختلافاتها بصورة أكثر عدلًا واستقرارًا. ولا يعني ذلك إلغاء الخصوصيات الثقافية أو الدينية، بل تحريرها من نزعة الاستعلاء، بحيث تصبح مصدرا للإثراء والتعارف بدلًا من أن تتحول إلى جدران تفصل البشر بعضهم عن بعض.
وفي هذا الإطار، تكتسب الدعوة إلى التسامح معناها الحقيقي عندما تتجاوز المجاملات اللفظية إلى احترام الحقوق، وقبول التعدد، ورفض التحريض، وحماية المختلف. فالتسامح ليس منحة يقدمها طرف متفوق لطرف أضعف، وإنما اعتراف متبادل بحق الإنسان في الكرامة والأمان والاختلاف.
كما أن الحوار بين أتباع الأديان لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات الاحتفالية أو اللقاءات البروتوكولية، بل يجب أن يمتد إلى مناقشة القضايا التي تؤثر في حياة الناس: الفقر، والتمييز، والحروب، والهجرة، والبيئة، ومستقبل الأجيال الجديدة. فعندما يلتقي أصحاب المعتقدات المختلفة حول مصالح الإنسان وحقوقه، يصبح الحوار ممارسة عملية لبناء الثقة، لا مجرد تبادل لعبارات حسن النية.
وهذه النقطة تمنح مشروع الشرفاء بعدا يتجاوز النقاش الديني الداخلي، لتضعه في سياق البحث عن أرضية أخلاقية مشتركة تستطيع البشرية أن تبني عليها سلاما أكثر رسوخا.







