
رغم التطور الكبير الذي حققه الذكاء الاصطناعي، فإن إعطاءه التعليمات قد يتحول أحيانًا إلى تجربة تشبه محاولة شرح أمر بسيط لطفل صغير؛ فقد يكتب المستخدم مطالبة مفصلة تحدد ما يريده بدقة، لكن النظام ينفذ شيئًا قريبًا من المطلوب دون أن يحقق الهدف الفعلي.
لكن باحثين طوروا نظامًا يمكنه رصد إشارات عصبية مرتبطة بشعور المستخدم بأن ما يفعله الذكاء الاصطناعي لا يتوافق مع ما يريده، ما قد يسمح للنظام باكتشاف سوء الفهم وتصحيح مساره في الوقت الفعلي.
وطور باحثون في المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST)، بالتعاون مع Microsoft Research Asia، تقنية لواجهة دماغ-حاسوب أطلقوا عليها اسم Neural Value Alignment (NVA)، أو «المواءمة العصبية للقيمة».
كيف يعرف الذكاء الاصطناعي ما يريده الإنسان؟
إذا كان التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر سلاسة، فلا يكفي أن يفهم النظام ما يقوله الإنسان أو يفعله، بل يجب أن يتمكن من استنتاج الهدف الحقيقي الذي يحاول الوصول إليه.
وتعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية بصورة أساسية على مؤشرات يمكن ملاحظتها، مثل النصوص والكلام والأفعال والإيماءات، لكن السلوك البشري قد يكون غامضًا حتى بالنسبة إلى شخص آخر، فما بالك بخوارزمية.
فالفعل نفسه يمكن أن يعبر عن أهداف مختلفة، كما يمكن تحقيق الهدف الواحد بعدة طرق.
فعلى سبيل المثال، إذا التقط شخص كوبًا، فقد يكون يريد الشرب منه، أو غسله، أو نقله إلى مكان آخر، أو إعطاءه لشخص آخر.
وفي المقابل، إذا كان الهدف هو إرواء العطش، فيمكن تحقيق ذلك من خلال التقاط الكوب، أو الإمساك بزجاجة مياه، أو مطالبة شخص آخر بإحضار مشروب.
ويطلق الباحثون على هذه المشكلة اسم «غموض الهدف والفعل» (Goal-Action Ambiguity)، إذ إن مراقبة الفعل وحده لا تكشف بالضرورة الهدف الحقيقي وراءه أو الطريقة التي يفضل الشخص استخدامها لتحقيقه.
الدماغ يرسل إشارة عندما لا تسير الأمور كما يتوقع المستخدم
يعتمد الحل الذي قدمه الباحثون على إضافة مصدر آخر للمعلومات، وهو الإشارات التي تظهر في الدماغ عندما تختلف النتيجة عما كان الشخص يتوقعه.
فالدماغ يتنبأ باستمرار بما يفترض أن يحدث لاحقًا، وعندما تختلف النتيجة عن التوقع، يمكن أن تظهر استجابات عصبية مميزة.
وركز الباحثون على نوعين من هذه الاستجابات، هما خطأ توقع المكافأة (Reward Prediction Error – RPE) وخطأ توقع الحالة (State Prediction Error – SPE).
ويشير خطأ توقع المكافأة إلى وجود اختلاف بين النتيجة التي تحققت والهدف الذي كان الشخص يتوقع الوصول إليه.
وفي نظام NVA، يمكن لهذه الإشارة أن تساعد الذكاء الاصطناعي على معرفة أنه أساء فهم الهدف الذي يريده المستخدم.
فإذا طلب شخص من روبوت منزلي: «أحضر لي شيئًا أشربه»، بينما كان يقصد المياه، لكن الروبوت أحضر القهوة، فإن النتيجة لا تتوافق مع الهدف المقصود، ما يؤدي إلى ظهور إشارة مرتبطة بخطأ توقع المكافأة.
أما خطأ توقع الحالة (SPE)، فيشير إلى نوع مختلف من عدم التوافق، إذ يكون الهدف النهائي صحيحًا، لكن الإجراء أو الخطوة الوسيطة أو طريقة التنفيذ تختلف عما كان يتوقعه المستخدم.
وبعبارة أبسط، يمكن أن تعني هذه الإشارة للنظام: «نعم، هذا هو المكان الذي أردت الوصول إليه، لكن ليس بهذه الطريقة».
عندما يحقق الروبوت الهدف بالطريقة الخطأ
لنفترض أن المستخدم يريد المياه، وأن الروبوت فهم الهدف بشكل صحيح، لكنه بدلًا من التقاط زجاجة المياه الموجودة بجانبه، يتوجه إلى المطبخ ويملأ كوبًا من الصنبور.
في هذه الحالة، حصل المستخدم بالفعل على المياه، وبالتالي فإن الهدف النهائي تحقق، لكن طريقة الوصول إليه اختلفت عما كان يتوقعه. وهنا يمكن أن يظهر خطأ توقع الحالة.
وأجرى الباحثون تجارب أظهرت أنماطًا مختلفة من موجات الدماغ وفقًا لما إذا كان الخطأ يتعلق بالهدف نفسه، أو بطريقة تنفيذ المهمة، أو بكليهما.
بعد ذلك، استخدم الفريق تقنيات التعلم العميق لتحليل إشارات تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، ما أتاح للنظام تصنيف استجابة الشخص لسلوك الذكاء الاصطناعي.
وبذلك أصبح بالإمكان التمييز بين حالتين مختلفتين دون أن يضطر المستخدم إلى قول أي شيء: هل أخطأ الذكاء الاصطناعي في فهم الهدف، أم أنه فهم الهدف لكنه اختار الطريقة الخاطئة لتحقيقه؟
الذكاء الاصطناعي يصحح مساره من إشارات الدماغ
نفذ الباحثون النظام باستخدام خوارزمية أطلقوا عليها اسم «خوارزمية التآزر بين الإنسان والذكاء الاصطناعي القائمة على المواءمة العصبية للقيمة».
وتستخدم الخوارزمية الإشارات العصبية التي جرى فك تشفيرها باعتبارها نوعًا من التغذية الراجعة لعملية اتخاذ القرار لدى الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر النظام على اكتشاف وجود خطأ وتحديد نوعه، بل يمكنه أيضًا استخدام هذه الإشارات لتغيير مسار تصرفاته في الوقت الفعلي، اعتمادًا على نوع الاستجابة العصبية التي يرصدها.
وتتجاوز أهمية البحث مجرد تحسين التفاعل مع روبوتات الدردشة، إذ يمكن لتقنية قادرة على اكتشاف هذا النوع من الاختلاف غير الواعي أن تصبح مفيدة في بيئات تتطلب تعاونًا وثيقًا بين البشر والآلات التي يتحكم فيها الذكاء الاصطناعي.
فقد يتمكن روبوت منزلي مستقبلًا من اكتشاف أن المستخدم لم يكن يقصد ما نفذه، ثم تعديل مساره دون انتظار تصحيح لفظي.
كما يمكن أن تمتد الفكرة إلى الروبوتات الصناعية، والمركبات ذاتية القيادة التي تستجيب لتقديرات السائق، والروبوتات الطبية وروبوتات إعادة التأهيل المخصصة للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الكلام أو الحركة، إضافة إلى أنظمة تعليمية قادرة على التكيف مع الحالة المعرفية للطالب.
وقال البروفيسور سانغ وان لي، الذي قاد البحث، إن أهمية الدراسة تتمثل في إظهار إمكانية انتقال الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على النتائج السلوكية المرئية فقط لاستنتاج نوايا البشر، إلى الاستفادة من الإشارات المعرفية التي يولدها الدماغ مباشرة أثناء التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
التقنية لا تعني قراءة الأفكار
ورغم ذلك، لا يزال الطريق طويلًا قبل أن تصبح هذه التقنية قادرة على العمل بصورة طبيعية في الحياة اليومية.
فالنظام جرى اختبار فعاليته من خلال عمليات محاكاة، وليس في تجربة واقعية يعمل فيها روبوت بصورة مستقلة داخل منزل، ويقرأ باستمرار إشارات EEG الخاصة بالمستخدم ويتعلم من أخطائه ويصحح سلوكه.
كما يتطلب تخطيط كهربية الدماغ استخدام أقطاب كهربائية لقياس الإشارات الكهربائية الدقيقة التي ينتجها الدماغ، وهي إشارات يمكن أن تتعرض للتشويش، بينما يصبح الحصول عليها في البيئات الطبيعية أكثر صعوبة من التجارب الخاضعة للسيطرة.
ولهذا، ستظل هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد مدى موثوقية تقنية NVA خلال التفاعلات الطبيعية، عندما يتحرك الأشخاص بحرية ويتعاملون مع مواقف أكثر تعقيدًا من المهام المصممة داخل المختبر.
ولا تعني التقنية أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على قراءة الأفكار بالمعنى الحرفي، لكنها تفتح اتجاهًا جديدًا في التواصل بين البشر والآلات، بحيث يمكن لإشارات الدماغ نفسها أن تصبح جزءًا من لغة التفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.








