
أحيا لبنان الأول من نوفمبر، الذكرى الـ105 لميلاد أحد أبرز رموزه الفنية، الفنان الكبير وديع الصافي، الذي وُلد في الأول من نوفمبر عام 1921 ببلدة نيحا الشوف، ونجح بصوته الجبلي وأغانيه الوطنية والتراثية في أن يصبح جزءا من الوجدان اللبناني، وأن يتجاوز بفنه حدود وطنه ليصل إلى مختلف أنحاء العالم العربي.
ولم يكن وديع الصافي مجرد مطرب امتلك صوتا استثنائيا، بل كان أحد أبرز الذين أسهموا في ترسيخ هوية الأغنية اللبنانية ونشرها عربيا، إذ حمل في أغانيه صورة الجبل والقرية اللبنانية، وغنى للأرض والوطن والحب والحنين، حتى أصبحت أعماله حاضرة في مناسبات اللبنانيين وأفراحهم وذاكرتهم الجماعية.
من موهبة مبكرة إلى مسيرة فنية امتدت 75 عاما
وُلد وديع فرنسيس، المعروف بوديع الصافي، في الأول من نوفمبر 1921، وظهرت موهبته الفنية مبكرا، إذ فاز في مسابقة غنائية نظمتها إذاعة لبنان عام 1938، وكان في السابعة عشرة من عمره، لتبدأ بعدها رحلة فنية امتدت لنحو 75 عاما، تنقل خلالها بين الغناء والتلحين والتمثيل، وقدم أكثر من 5 آلاف أغنية.
وتميز الصافي بأدائه للمواويل والعتابا والميجانا، وأصبح مدرسة فنية بارزة في الغناء اللبناني، بفضل صوته القوي وأسلوبه الذي ارتبط بالتراث الموسيقي لبلاده.
تعاون مع كبار نجوم الموسيقى والسينما
تعاون وديع الصافي مع كبار الشعراء والملحنين، ومنهم الأخوان رحباني وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وفيلمون وهبي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.
كما شارك في عدد من الأفلام السينمائية، من بينها «الخمسة جنيه» و«غزل البنات» و«موال» و«نار الشوق» مع الفنانة صباح.
ومن أبرز أعماله التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور «لبنان يا قطعة سما»، و«الله معك يا بيت صامد بالجنوب»، و«طلوا حبابنا»، و«عندك بحرية يا ريس»، إلى جانب عشرات الأغاني والمواويل التي جسدت التراث اللبناني وعكست ارتباطه العميق بوطنه.
وحتى خلال سنوات الحرب التي اضطرته إلى مغادرة لبنان والإقامة في الخارج، ظل حاضرا بأعماله الوطنية وأغاني الحنين إلى بلاده.
رحيل وديع الصافي وتكريم مسيرته
في 11 أكتوبر 2013، رحل وديع الصافي عن عمر ناهز 92 عاما، تاركا وراءه إرثا فنيا كبيرا. وشهدت العاصمة بيروت مراسم وداع مهيبة شارك فيها مسؤولون وفنانون وجمهور واسع من محبيه، قبل أن يوارى جثمانه الثرى في بلدته نيحا.
ومنحه رئيس الجمهورية آنذاك وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الأولى المذهب، تقديرا لمسيرته وعطائه الفني.
ولم يتوقف تكريم الفنان الراحل عند مراسم تشييعه، إذ أطلقت بلدية الدكوانة اسمه على أحد شوارعها، وأقيمت أنشطة واحتفالات لإحياء ذكراه، كما احتضنت مهرجانات جبيل معرضا لأرشيفه ومقتنياته وصوره، بالتعاون مع جامعة الروح القدس وعائلته، في محاولة لتوثيق مسيرته وتعريف الأجيال الجديدة بإرثه الفني.
مؤسسة وجائزة للحفاظ على إرثه الفني
وفي إطار الحفاظ على أعماله، أسست عائلته مؤسسة «وديع الصافي للإبداع الفكري»، بهدف حماية إرثه الفني وصون أغانيه وألحانه، كما أطلقت جائزة فنية تحمل اسمه لدعم المواهب والأصوات الغنائية الواعدة.
وواصلت محطات تلفزيونية ومؤسسات ثقافية تنظيم حلقات وأمسيات تستعيد مسيرته وأعماله، فيما اختير اسم وديع الصافي عنوانا لإحدى دورات مهرجان «بياف» عام 2026، في تحية لفنان ارتبط اسمه ببيروت ولبنان والجنوب، وظل صوته حاضرا في الذاكرة الفنية والوطنية.
وبعد مرور أكثر من 13 عاما على رحيله، لا يزال وديع الصافي حاضرا في وجدان اللبنانيين، فكلما صدحت أغنياته في مناسبة أو احتفال، عادت معها صورة لبنان الجبل والقرية والأرز، ليبقى الفنان الذي غنى لوطنه أحد أبرز الأصوات التي اختصرت حكاية بلد في أغنية.








