وداعًا الفنان القدير “محمد التاجي”

تقرير هند محمد

خيّم الحزن على الوسط الفني والجمهور إثر رحيل الفنان القدير محمد التاجي؛ ولا سيما أنه ظل حاضرًا وبقوة على الساحة الفنية حتى سنواته الأخيرة.
فقد الفن المصري برحيله قامة إبداعية آمنت بقيمة الدور وجودته، دون الالتفات إلى مساحته أو حجمه على الشاشة.
ترك الفنان الراحل إرثًا غنيًا ورصيدًا حافلًا من الشخصيات؛ لتؤكد مسيرته أن البطولة الحقيقية قد تولد أحيانًا من رحم أدوار صغيرة، لكن أثرها يظل خالدًا في ذاكرة الجماهير.
السيرة الذاتية
الفنانُ محمد التاجي صعيديُّ الأصلِ من محافظةِ سوهاج، وتحديدًا من “جزيرة شندويل” حيث عائلةُ أبيه وجدِّه لأبيه، ومن مركز “طهطا” حيث عائلةُ جدَّتِهِ لأبيه، والتي كان جدُّها الشيخ رفاعي الطهطاوي.
وهو من مواليد 28 أبريل 1954، وممثلٌ مصريٌّ شهير، عمل في المجال الفني منذ أواخر السبعينيات، وقدّم عشرات الأدوار المساعدة بين السينما والتلفزيون والمسرح، إلا أن أغلب مشاركاته كانت تلفزيونية، ومن أهمها مسلسلات ومسرحيات: (المتزوجون، هو وهي، بوابة الحلواني، لا، الزيني بركات، وأبو ضحكة جنان).

علاقة التاجي بجده عبد الوارث عسر
تحدث الفنان محمد التاجي في لقاءات سابقة عن علاقته بالفنان عبد الوارث عسر قائلاً: “الحاج عبد الوارث عسر لا تربطني به صلة قرابة فحسب، بل تربطني به صلة دم؛ فهو جدي لأمي. ورغم هذا، دخلت الفن بلا سند ولا ظهر، فلم أعمل مثل أولاد الفنانين أو المنتجين أو المخرجين الذين كان أهلهم يدعمونهم، ولكني تعلمت منه الكثير؛ فالحاج عبد الوارث حببنا في الدين، والصلاة، والخوف من ربنا بدون ضغط علينا أو ترهيب، بل كنا ـ من حبنا فيه ـ نسير على نهجه”.
كما ذكر أن ارتباطه بالفن نشأ من علاقته القوية بجده، الفنان القدير عبد الوارث عسر، مؤكداً أن جده كان السبب الأول في دخوله عالم الفن، وإن كان ذلك من دون قصد مباشر منه.
وأوضح أنه كان ملازماً لجده في السنوات الأخيرة من حياته؛ إذ كان يصطحبه إلى مواقع التصوير ويقرأ له السيناريوهات بسبب ضعف بصره، قائلاً: “كنت أرافقه في كل مشاويره، ومن خلال هذه العشرة بدأت أُفتن بعالم الفن، خاصّةً بعدما لمست مدى الاحترام الكبير الذي كان يحظى به من الناس في الشارع، وهو ما جعلني أحب المهنة”.
واستطرد قائلاً: “أخدت منه احترامه الشديد أوي لمهنته وحبه وإخلاصه لها، وهذه كانت من أهم مميزاته التي انتقلت لي بالجينات.. أنا بحترم مهنتي جدًا.. وبحترم كل ما أقدمه للناس.. أكون متوحد تمامًا مع الشخصية.. كل هذا أخذته منه”.
المسيرة الفنية
تميز محمد التاجي بقدرته على التنقل بين الكوميديا والدراما والشخصيات المركبة، دون أن يحصر نفسه في قالب واحد، وهو ما منحه حضورًا مستمرًا عبر أجيال مختلفة.
تشكلت تجربته، عبر مشاركات ممتدة بين السينما والتلفزيون وكذلك المسرح، فيما جاء حضوره الأبرز من خلال الدراما التلفزيونية، إذ يمتلك قدرة لافتة على التنقل بين الدراما الجادة ذات الطابع الإنساني، والكوميديا التلقائية القائمة على الموقف، مُعتمدًا في ذلك على انفعالات ولغة جسد بسيطة تلامس تفاصيل الشخصية المصرية الحقيقية.
وعلى الرغم من أن الفنان محمد التاجي لم يكن من نجوم البطولة المطلقة، فإنه امتلك قدرة استثنائية على تقديم الأدوار المساندة بصورة تجعلها عالقة في الذاكرة، إذ كان يمنح كل شخصية يؤديها خصوصيتها، مهما كانت مساحة ظهورها، ليصبح واحدًا من أبرز فناني جيله في الأدوار المؤثرة.
واستطاع أن يثبت نفسه بعيداً عن كونه حفيد الفنان الكبير عبد الوارث عسر، مؤكداً امتلاكه موهبة خاصة وحضوراً مميزاً.
بدأ محمد التاجي مشواره الفني في سبعينيات القرن الماضي من خلال المسرح، وتحديدًا مسرح الطليعة، قبل أن يلفت الأنظار بمشاركته في مسرحية “المتزوجون” إلى جانب عدد من نجوم الكوميديا، إضافة إلى مسرحيات “واحد لقى شقة، أبو زيد الهلالي سلامة، ماكانش ع البال، أخويا هايص وأنا لايص” وغيرها من المسرحيات الناجحة، لتتسع بعدها مشاركاته بين السينما والتليفزيون.
وفي الدراما، قدم مجموعة من الشخصيات البارزة في أعمال شهيرة، من بينها “البشاير”، الذي جسد خلاله شخصية “رشاد الفوال”، إلى جانب “هو وهي، بوابة الحلواني، “الزيني بركات”، “زيزينيا”، “حدائق الشيطان”، “أبو ضحكة جنان”.
“سكة الهلالي”،”دهشة”، “جبل الحلال”، “يونس ولد فضة”، “فلانتينو”، “لعبة نيوتن”، “ملوك الجدعنة”، “فاتن أمل حربي”، “الأجهر”، “العتاولة”، “ألف ليلة وليلة – جودر”. وقدّم آخر أدواره التلفزيونية في مسلسل “بابا وماما والجيران” العام الحالي.
امتدت مسيرة محمد التاجي السينمائية إلى أفلام عدة، بينها: “المطارد”، “الراقصة والسياسي”، “سواق الهانم”، “الجزيرة 2”.
الجوائز والتكريمات
من أبرز التكريمات الرسمية والمهرجانات التي كرمته:
- مهرجان أوسكار إيجيبت السينمائي: جرى تكريمه في الدورة الـ19 للمهرجان تقديراً لعطائه الفني الطويل وأدواره المتميزة
- حفل تكريم سفراء السلام المهنى
- مهرجان الأفضل بين الأفضل: كُرِّم في دورته الخامسة احتفاءً بمسيرته الإبداعية والأعمال المميزة التي نالت إعجاب الجمهور المصري والعربي.
- تكريمات وندوات المركز القومي للمسرح والموسيقى: حظى بتقدير خاص من الهيئات المسرحية الرسمية.
- تكريمات المهرجانات المحلية والجامعية: حظي بالعديد من دروع التميز من جامعات مصرية ومؤسسات صحفية محلية تقديراً لإسهاماته في أعمال بارزة مثل مسلسلات (البشاير، والمال والبنون، وليالي الحلمية، وسلسال الدم).
أبرز تصريحات التاجي عن التطبيع الثقافي مع إسرائيل
قال التاجي في حوار صحفي سابق: “لا يوجد أحد يقبل التطبيع الثقافي مع إسرائيل، ولا يوجد من فعل هذا إلا الخونة أمثال عمرو واكد؛ فالسياسة الخاصة بالبلد تقتضي أنه لكي تأخذ أرضك كان عليك توقيع معاهدة سلام.
استرددنا أرضنا -والحمد لله- ورجعت مصر بكامل هيئتها، ولكن ليس بيننا معاملات وعلاقات حقيقية وبين الإسرائيليين؛ ليس فقط من أجل ما فعلوه مع الفلسطينيين مع كامل مساندتنا للقضية الفلسطينية، ولكن من أجل ما فعلوه بالمصريين أنفسهم.
نحن فقدنا الكثير في الحرب، والمصري هو أكثر من دفع دماً، فكيف يطبع مع إسرائيل إنسانياً أو ثقافياً؟ ولكن هناك أشياء في السياسة من الضروري قبولها على علاتها”.
وصية محمد التاجي
عقب إعلان خبر الوفاة، تداول عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي كلمات مؤثرة نُسبت إلى الفنان محمد التاجي، جاء فيها: “إذا مت يومًا فلا تبكوا.. فقد كنت بالفعل ميتًا من الداخل.. أنا فقط أغمضت عيني.”
وتحمل الكلمات المتداولة طابعًا إنسانيًا حزينًا، إلا أنه لم يتسنَّ التأكد بشكل مستقل من أن هذه العبارة كانت بالفعل وصية أخيرة للفنان الراحل أو أنها صادرة عنه في وقت سابق؛ لذلك لا يمكن الجزم بأنها كانت وصيته الرسمية قبل وفاته.
تفاصيل الجراحة والمضاعفات الأخيرة
أوضح السعدني، أن الأزمة الصحية للراحل تفاقمت عقب خضوعه لعملية جراحية وصفها بـ “المشؤومة” – مستحضرًا المأساة ذاتها التي مرت بها الفنانة الراحلة سعاد نصر.
ودخل الفنان القدير غرفة العناية المركزة لمدة يومين عقب الجراحة مباشرة.
ورغم خروجه من العناية المركزة، إلا أن الجرح لم يلتئم وظل ينزف بشكل متواصل دون أن يفصح الراحل عن معاناته لأحد، باستثناء صديق عمره خيري المحلاوي، قبل أن تفيض روحه إلى بارئها.
الرحيل
توفي الفنان المصري محمد التاجي، الأحد 30 أغسطس، عن عمر يناهز الـ 72 عامًا، ونعت نقابة المهن السينمائية في مصر، التاجي، ووصفته في بيان صادر عنها بالفنان “الأصيل” الذي “حمل إرث العمالقة، وترك خلفه مسيرة حافلة بالعطاء الفني والأخلاقي”، وتقدمت النقابة بـ”خالص التعازي والمواساة إلى أسرته، والأسرة الفنية المصرية والعربية”.
وقد خضع قبل أسابيع لجراحة حرجة في العمود الفقري، وقد تكررت شائعة وفاته أكثر من مرة خلال الفترة السابقة ما أثر سلباً على حالته المعنوية ودفع أسرته لإصدار أكثر من تكذيب.
وقد وافته المنية إثر أزمة صحية حرجة ألمت به خلال الفترة الأخيرة، ليترك خلفه مسيرة فنية حافلة بالبصمات الخالدة في السينما والدراما والمسرح.








