
تشهد عدة دول أوروبية موجة من الاحتجاجات والاضطرابات، مدفوعة بأزمات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب مطالب بتحسين الخدمات العامة وظروف العمل ومعالجة أزمة الإسكان، وسط تصاعد أعمال العنف في بعض المدن.
وامتدت التحركات الاحتجاجية إلى فرنسا وألبانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا واليونان، حيث شهدت بعض المظاهرات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، فيما تركزت احتجاجات أخرى على مطالب اجتماعية واقتصادية محددة.
فرنسا.. احتجاجات واسعة وعودة السترات الصفراء
تشهد فرنسا اضطرابات منذ منتصف سبتمبر، بدأت باحتجاجات للمعلمين في مدرسة «سانت إكزوبيري» بضاحية كريتاي جنوب شرق باريس، اعتراضًا على نقص الكوادر، قبل أن ينضم الطلاب إلى التحركات للمطالبة بتحسين الأوضاع التعليمية.
وسرعان ما اتسعت الاحتجاجات لتشمل مطالب اقتصادية واجتماعية، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ووفقًا للبيانات الواردة في التقرير، ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 21.3% في سبتمبر مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وزادت أسعار البنزين بنسبة 25.7%، فيما بلغ معدل البطالة 8.3% خلال الربع الثاني من العام، مقابل 7.6% في العام السابق.
وشهدت البلاد، السبت، مظاهرات شارك فيها ما لا يقل عن 550 ألف شخص، وفقًا لوزير الداخلية لوران نونيز، الذي أعلن اعتقال نحو 1800 شخص وإصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة والإطفاء.
وتحولت بعض الاحتجاجات إلى أعمال عنف شملت نهب متاجر وإحراق سيارات وحاويات قمامة، كما تعرض مبنى بلدية ليموج، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1883، لأضرار كبيرة جراء حريق.
وشارك متظاهرون في التحركات استجابة لدعوات لإحياء حركة «السترات الصفراء» التي ظهرت عام 2018 احتجاجًا على الأوضاع الاجتماعية. واتهم مسؤولون فرنسيون جماعات يسارية متطرفة بالتحريض على العنف، بينما أعلن رئيس الوزراء تقديم طلب لفرض حظر تجول في مناطق محددة بهدف احتواء الاضطرابات.
كما دخلت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس على خط الأزمة، إذ انتقدا الأوضاع في فرنسا وربطا أعمال الشغب بقضايا الهجرة والسياسات الداخلية.
ألبانيا.. مطالب باستقالة إيدي راما
في ألبانيا، تصاعدت الاحتجاجات المناهضة للحكومة مع انضمام طلاب المدارس والجامعات إلى تحركات تطالب باستقالة رئيس الوزراء الاشتراكي إيدي راما، الذي يتولى السلطة منذ عام 2013.
وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من المظاهرات التي نظمتها حركة «فلامينغو» في العاصمة تيرانا، اعتراضًا على مشروع تطوير سياحي فاخر على الساحل الجنوبي للبلاد، يرتبط بشركة استثمارية أسسها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وشهدت احتجاجات السبت مواجهات عنيفة، ألقى خلالها متظاهرون الحجارة والقنابل الحارقة والألعاب النارية على الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات.
وأعلنت الشرطة اعتقال 167 شخصًا وإصابة 132 من أفرادها، فيما استبعد راما الاستقالة، متهمًا خصومه المحافظين بالتحريض على الاشتباكات.
إيطاليا.. مواجهات في ميلانو بسبب الأوضاع الاقتصادية
شهدت مدينة ميلانو وعدد من المدن الإيطالية احتجاجات على الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الاعتراض على الحروب والإنفاق المرتبط بدعم أوكرانيا.
وبدأت مظاهرة ميلانو بصورة سلمية، قبل أن تتحول إلى مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين ملثمين ألقوا الحجارة ومكعبات الرصف، وأشعلوا النار في حواجز أقيمت باستخدام طاولات المقاهي.
وردت قوات مكافحة الشغب باستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، وأسفرت الأحداث عن إصابة ضابطي شرطة على الأقل واحتجاز نحو 50 متظاهرًا، بينهم قاصرون، وفقًا للتقرير.
وقال عمدة ميلانو، جوزيبي سالا، إن أسباب الاحتجاج مفهومة، لكنه شدد على أن العنف ضد قوات إنفاذ القانون والأضرار التي لحقت بالمدينة لا يمكن تبريرها.
بلجيكا.. اشتباكات في بروكسل وتحذيرات حكومية
شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل، السبت 17 أكتوبر، تجمع ما بين 500 و600 متظاهر، اندلعت خلاله مواجهات مع الشرطة.
وأقدم بعض المحتجين على قلب سيارة وإشعال النيران في أكياس القمامة والدراجات الهوائية والكهربائية، كما استخدموا معدات بناء لإقامة حواجز في الشوارع. وردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وألقت القبض على عدد من المشاركين.
وحذر وزير الداخلية البلجيكي برنارد كينتيني من أن ما يجري لم يعد مجرد احتجاج، واصفًا أعمال العنف بأنها منظمة ومتكررة وتهدف إلى زعزعة الاستقرار، ومؤكدًا استخدام الوسائل اللازمة لاستعادة النظام.
وتأتي هذه التطورات بعد احتجاجات سابقة على تكاليف التعليم والمعيشة، شارك فيها عشرات الآلاف في بروكسل مطلع أكتوبر، بالتزامن مع تحركات في مدينة لييج. وتواجه الحكومة البلجيكية، في الوقت نفسه، صعوبات في إقرار ميزانية العام المقبل وسط أعباء الدين العام.
البرتغال.. أزمة الإسكان تدفع عشرات الآلاف إلى الشوارع
في البرتغال، خرج عشرات الآلاف إلى شوارع العاصمة لشبونة، السبت، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الإسكان، وفقًا لأرقام الاتحاد العام للعمال البرتغاليين.
وسبق ذلك إقامة نشطاء معنيين بالإسكان مخيمًا بالخيام في مدينة بورتو، قبل أن تقوم الشرطة بإخلائه.
وتواجه البرتغال ارتفاعًا في أسعار الغذاء والوقود، إلى جانب أزمة متفاقمة في القدرة على تحمل تكاليف السكن. وأشار تقرير صادر في يونيو عن المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية إلى ارتفاع أسعار المنازل بنسبة 130% منذ عام 2013، فيما زادت إيجارات العقود الجديدة بنسبة 10.2% على أساس سنوي، وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء البرتغالي.
ورفع المحتجون مطالب بزيادة الأجور وتحسين المعاشات والخدمات العامة، واعترضوا على الزيادات المرتقبة في الإيجارات. وانتقد المعلم بيدرو بينيلو تعامل القادة السياسيين مع الأزمة، معتبرًا أنهم بعيدون عن واقع المواطنين.
وأقرت الحكومة بخطورة أزمة الإسكان، لكنها حذرت من انتقال مشاهد الفوضى التي شهدتها دول أوروبية أخرى إلى البرتغال، فيما رفض رئيس الوزراء لويس مونتينيرو استيراد أجواء عدم الاستقرار إلى البلاد.
إسبانيا.. اعتصام في مدريد بعد وفاة مسنة عقب إخلاء منزلها
في إسبانيا، واصل مئات الأشخاص اعتصامهم في ساحة «بويرتا ديل سول» وسط مدريد للأسبوع الثالث على التوالي، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف السكن والمطالبة بتشديد الحماية القانونية للمستأجرين.
وتصاعدت التحركات عقب إخلاء مسنة تُدعى ماريا ديل كارمن أباسكال، تبلغ من العمر 87 عامًا وتستخدم كرسيًا متحركًا، من منزل عاشت فيه نحو سبعة عقود.
وجرى نقلها على نقالة بعد تطويق الشرطة الشارع وتفريق المحتجين، ثم نُقلت إلى المستشفى بسبب حالتها الصحية الهشة، وتوفيت لاحقًا خلال الشهر نفسه، فيما لم يُعلن سبب الوفاة.
وطالبت الحكومة الإقليمية في مدريد بإخلاء المعتصمين واتخذت إجراءات قانونية في هذا الشأن. كما أُغلقت محطة مترو «سول» يوم الجمعة لأعمال التنظيف، بسبب الظروف الصحية غير الملائمة الناتجة عن المخيم الاحتجاجي.
اليونان.. عمال المصافي يطالبون بتحسين السلامة المهنية
وفي اليونان، نظم عمال مصافي النفط احتجاجًا خارج منشآت شركة «موتور أويل» يوم الأربعاء، للمطالبة بتحسين إجراءات السلامة في بيئة العمل، عقب وفاة عاملين إثر انفجار وقع داخل المصفاة خلال أعمال صيانة.
وطالب العمال بفتح تحقيق في الحادث وتشديد الرقابة على تطبيق لوائح السلامة المهنية.
وأعربت الشركة عن حزنها لوفاة العاملين، موضحة أنهما فارقا الحياة متأثرين بإصابات خطيرة رغم جهود الأطباء، وأكدت تعاونها مع السلطات المختصة التي تحقق في ملابسات الحادث.
تحذيرات أمنية وسط اتساع الاضطرابات
وفي ظل تصاعد الاحتجاجات، أصدرت السفارات الأمريكية تحذيرات لمواطنيها في فرنسا وألبانيا وبلجيكا خلال الشهر الجاري.
وتعكس التحركات اتساع نطاق الضغوط التي تواجه عددًا من الدول الأوروبية، مع تداخل الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن مع مطالب تحسين الخدمات وظروف العمل، فيما تثير أعمال العنف مخاوف بشأن تداعيات استمرار الاضطرابات على الاستقرار الداخلي.





