
بقلم / نسرين حلس
في حادثة هزّت الأوساط السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة، قُتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك في واقعة لا تزال تفاصيلها غامضة، لكن تداعياتها كانت فورية وعنيفة، حيث اشتعلت ساحات النقاش، ليس فقط في الإعلام التقليدي، بل على نحو أشد حدة في الفضاء الرقمي، بين فريقين متناحرين، كلٌ يحمّل الآخر مسؤولية الانفجار السياسي والاجتماعي الذي بات يهدد النسيج الأمريكي من الداخل
حادثة القتل، وبصرف النظر عن ملابساتها القضائية التي لا تزال قيد التحقيق، سرعان ما تحوّلت إلى ساحة حرب بالتلاسن والتخوين لإظهار حجم الشرخ الذي يعاني منه المجتمع الأمريكي اليوم. فقد كم بات الاستقطاب السياسي، الذي كان يومًا ما مجرد خلافات في الرأي داخل أروقة الكونغرس، واقعًا مريرًا يتغلغل في كل بيت، ويُغذى يوميًا عبر وسائل الإعلام، منصات التواصل، وحتى في المدارس والجامعات.
ومنذ انتخابات عام 2016، ومع صعود دونالد ترامب، بدأ الخط الفاصل بين “اليمين” و”اليسار” في الولايات المتحدة يتسع ويتجاوز السياسة، ليُصبح نمط حياة، وهوية، وثقافة، بل وحتى معيارًا للأخلاق والولاء الوطني. لم تعد المسائل تُناقش على أساس البرامج والسياسات، بل باتت تُخاض كمعارك وجودية بين “الخونة” و”الوطنيين”، بين “الواك” و”المحافظين”، بين “أمريكا القديمة” و”أمريكا المستقبل”.
تشارلي كيرك، كمؤسس لمنظمة ” تيرنينغ بوينت يو أس” ، كان شخصية مثيرة للجدل، ومحبوبة لدى شريحة واسعة من الشباب المحافظ. وبالنسبة لمؤيديه، كان صوتًا شجاعًا ضد ما يصفونه بـ”الاستبداد الليبرالي”، فيما رأى فيه خصومه مروجًا للكراهية والانقسام. وفور خبر مقتله، لم ينتظر أي من الطرفين نتائج التحقيق؛ فكل طرف وجد في الحادثة دليلًا إضافيًا على سرديته الخاصة حول “التهديد القادم من الطرف الآخر”.
وفي الساعات التي تلت إعلان الوفاة، اجتاحت وسائل التواصل عاصفة من النظريات، الاتهامات، والتهديدات المتبادلة. حيث اعتبر المحافظون أن كيرك “شهيد حرية التعبير”، بينما وصفه بعض النشطاء اليساريين بأنه “رمز للسياسات الإقصائية”. في كلتا الحالتين، لم يكن الهدف من النقاش الوصول إلى الحقيقة، بل توظيف المأساة لتعزيز الروايات المسبقة.
ما جرى بعد مقتل كيرك ليس حدثًا معزولًا، بل هو نتيجة حتمية لعقد كامل من الإستقطاب المتزايد. فخلال السنوات الماضية، شهدنا مشاهد مشابهة في قضايا مثل مقتل جورج فلويد، واقتحام الكابيتول، وحروب التعليم حول المناهج الجنسية والعرقية. لكن المختلف هذه المرة هو أن الحادثة مست شخصية تنتمي إلى المعسكر المحافظ، ما فاقم مشاعر الاضطهاد والكراهية لدى جمهور اليمين، وزاد من احتمالات الردود الانتقامية.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام في تعميق الفجوة. فشبكات مثل “فوكس نيوز” و”إم إس إن بي سي” لم تعد تقدم تغطيات محايدة، بل تخاطب جماهير مستقطبة وتغذي مشاعرهم، بدلاً من تهدئتها. في تغطية مقتل كيرك، اتخذت كل جهة موقفًا واضحًا: فريق ينعاه كبطل، وآخر يُلمّح إلى مسؤولياته السياسية في إثارة العنف، دون انتظار نتائج التحقيق.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فحدث ولا حرج، إذ أصبحت منصات مشتعلة تعج بالتحريض، والمعلومات المضللة، وفيديوهات مفبركة، وخطاب كراهية لا يجد من يردعه. في ظرف ساعات، انتشرت هاشتاغات مثل #أوقفوا_إرهاب_اليمين و # العدالة_لتشارلي في معركة رقمية لا تقل ضراوة عن الصراع في الشارع
السؤال المطروح اليوم: هل تكون هذه الحادثة بمثابة نقطة تحول نحو مراجعة الذات؟ أم ستكون وقودًا جديدًا لمزيد من الانقسام؟
الواقع يشير إلى أن هناك انعدام ثقة شبه كامل بين الطرفين، سواء على المستوى السياسي أو الشعبي. النواب في الكونغرس بالكاد يتحدثون مع بعضهم البعض عبر الممر الحزبي، والمجالس المحلية والمدارس أصبحت ساحات صراع أيديولوجي، والأسر باتت تتفكك بسبب الخلافات السياسية.
في هذا السياق، يبدو أن حادثة مقتل تشارلي كيرك، بدلًا من أن تخلق لحظة وحدة وطنية، تحولت إلى مرآة تعكس عمق الأزمة التي تمر بها أمريكا اليوم. أزمة لا تتعلق بفرد، بل بثقافة سياسية كاملة وصلت إلى مرحلة التشظي.
وإذا كانت أمريكا تسعى للبقاء كدولة موحدة، فعليها أن تواجه الحقيقة: لا يمكن لأي أمة أن تستمر في العيش بهذه الدرجة من الكراهية المتبادلة. الحل لا يكمن في القوانين وحدها، بل في إعادة بناء الثقة، وتشجيع الحوار، وتوفير مساحة للأصوات المعتدلة.
قد لا يكون مقتل كيرك لحظة التغيير، لكنه بالتأكيد لحظة تنبيه. فإما أن تُستغل لإعادة فتح نقاش وطني حول الوحدة والاختلاف، أو تُضاف إلى سلسلة من الأحداث التي تُقرب أمريكا أكثر من الحافة.
