
بقلم دكتورة / مريم المهدي
تولي الرئيس دونالد ترامب القيادة بدءاً من وقف النار في غزة ولبنان ضمن خطة مركبة لسلام شامل في المنطقة لا دور فيه لجماعة الاخوان المسلمين .
وانتشرت في الأسابيع الأخيرة أخبار كثيرة عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، ومن المعروف أن التصنيف يتم عن طريق قرار من وزير الخارجية الأمريكية أو كقرار تنفيذي من الرئيس الأمريكي لكن ينبغي أن يوافق عليه الكونجرس.
* هذا القرار -إن صدر- لن يروق لجماعة الإخوان والمتعاطفين معها، وسيجعل الولايات المتحدة تدخل في خضم الصراع بين التيار الذي يتبنى شعار “الإسلام السياسي” ومعارضيه، وخاصة أن هناك دول أخرى سبقتها بإصدار مثل هذا القرار كألمانيا التي تصنف الجماعة منظمة إرهابية، وهناك سعي من النمسا وفرنسا كذلك، أما بريطانيا فقد أجرت دراسات حول الجماعة وقررت وضعهم تحت الرصد والمراقبة، دون تصنيفهم كجماعة إرهابية حالياً.
فهل هذا نهج جديد في سياسة الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ؟ وهي التي اعتادت على أن تربطها بالاخوان علاقة جيدة، ودعمتهم في كثير من المراحل التاريخية اخرها احداث الربيع العربي .
* تعود العلاقات بين الولايات الأمريكية وجماعة الإخوان لخمسينيات القرن الماضي، حيث التقى الرئيس الأمريكي أيزنهاور مع كبار قادة الحركة الإسلامية حول العالم، رمضان، واحتضنت الولايات المتحدة أنشطة في أوروبا في الخمسينات والستينات، واعتبرت الإخوان أداة متقدمة ورأس حربة في الشرق الأوسط لمواجهة الشيوعية والمد السوفيتي، ومنذ منتصف الخمسينيات وحتى غزو أفغانستان كانت العلاقة بينهما غير واضحة المعالم ، لكنها ظهرت للعلن من خلال الدعم الأمريكي للمجاهدين الأفغان سنة 1978م، حيث مثل الفكر الإخواني منطلقاً آيديلوجياً للكثير من هؤلاء المجاهدين، قبل تحولهم إلى مرحلة فكرية أكثر تطرفاً.
* كانت المنظمات الإخوانية في أمريكا في هذه الفترة مشابهة لمنظماتها في أوروبا إلا أنها كانت أكثر نخبوية، حيث بدأ ظهورها بإنشاء رابطة الطلبة المسلمين في سنة 1963م ، ثم شهدت انتقال المعهد العالمي للفكر الإسلامي إلى أراضيها سنة 1983م، ثم شهدت تأسيس الجمعية الإسلامية في شمال أمريكا ، ثم تأسست لجنة الشؤون الإسلامية الأمريكية عام 1994م. نشط الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية خلال ثمانينات القرن الماضي من خلال تشكيل الأسر في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتمثلت مهمة كل أسرة في تثبيت جذورها في المنطقة التي هي فيها من خلال التأثير على أكبر عدد من المحيطين، والاهتمام بالقادمين الجدد التابعين للجماعة إلى الولايات المتحدة، كذلك إنشاء المدراس والمساجد والعيادات لتوسيع نفوذهم داخل المجتمع، ومنها رابطة الطلاب المسلمين MSN التي أسسها الإخوان، وهي من أهم المؤسسات التي نشطت في الجامعات الأمريكية، وخرج منها حوالي 600 رابطة طلابية.
* لكن بدأ الانفصام بين الولايات المتحدة والإخوان بعد غزو العراق للكويت سنة 1990م، وما تلاه من نشر قوات أمريكية على أراضي الدول العربية، ثم تأسس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية عام 1994م الذي يديره القيادي الإخواني الفلسطيني “نهاد عوض”، بهدف تمكين الإخوان الأمريكيين من المشاركة في الحياة السياسية الأمريكية، وذلك بحسب وثيقة نشرتها صحيفة واشنطن تايمز. ولقد عمل الإخوان على قيادة المجتمع الإسلامي في أمريكا، وهذا يفسر وصول الإخوان إلى أروقة البيت الأبيض، فهم كانوا يتصدرون تمثيل المسلمين في أمريكا داخل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وقد استقروا في ولايات أنديانا وميتشجان والينوي، ولذلك يتواجد بها أكبر مؤسساتهم.
وبعد احداث 11 سبتمبر 2001م نظرت الولايات المتحدة للإخوان بعين الريبة ووضعت بعض منتمي الجماعة على قوائم الإرهاب، لكن قطر لعبت دوراً كبيراً في الوساطة بين الجماعة وأمريكا، في ظل رغبة أمريكية في دعم الأطراف الإسلامية المعتدلة لمواجهة تنظيم القاعدة.
ثم عارض الإخوان الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003م، وبعد ذلك عملت الولايات المتحدة علي طرح سياسة جديدة للتصالح مع الجماعات الاسلامية التي تنبذ العنف فرحب الاخوان بهذه السياسة الامريكية الجديدة.
وبعد احداث أيلول 2001م نظرت الولايات المتحدة للإخوان بعين الريبة ووضعت بعض منتمي الجماعة على قوائم الإرهاب، لكن قطر لعبت دوراً كبيراً في الوساطة بين الجماعة وأمريكا، في ظل رغبة أمريكية في دعم الأطراف الإسلامية المعتدلة لمواجهة تنظيم القاعدة.
وهكذا نشط الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية، وتمكنوا من تأسيس جماعة ضغط مؤيدة لهم من خلال المنظمات التي أسسوها أو بعض مراكز الأبحاث والصحف المتسقة معهم. واختار أوباما التواصل مع الجماعة والشركات التابعة لها للحصول على المشورة والتدريب، ومنهم كان “رشاد حسين” مبعوث إدارة أوباما لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكان مسؤول عن تقديم المشورة بشأن الأمن القومي والتواصل مع المسلمين، حتى أنه ساعد في كتابة خطاب أوباما في القاهرة سنة 2009م، والتي أعلن فيها عن نهج جديد للتعامل مع العالم الإسلامي، وأشار علانية أمام مضيفه الرئيس مبارك إلى الاعتراف بجماعة الإخوان.
واختار أوباما التواصل مع الجماعة والشركات التابعة لها للحصول على المشورة والتدريب، ومنهم كان “رشاد حسين” مبعوث إدارة أوباما لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكان مسؤول عن تقديم المشورة بشأن الأمن القومي والتواصل مع المسلمين، حتى أنه ساعد في كتابة خطاب أوباما في القاهرة سنة 2009م، والتي أعلن فيها عن نهج جديد للتعامل مع العالم الإسلامي، وأشار علانية أمام مضيفه الرئيس مبارك إلى الاعتراف بجماعة الإخوان.
وكانت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون قد لمحت في تصريحات صحافية لها إلى أن اتصال الإدارة الأميركية بالإخوان هو جزء من سياسة بدأت في 2006م .
* هذا قد دفع البعض للقول إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان يسعى لمساعدة الإخوان ليصلوا إلى حكم مصر، وإن ذلك قد يكون من مصلحة إسرائيل- بحسب وجهة نظر أوباما-، ودعم الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط باعتبارهم قوة إسلامية معتدلة تقف في وجه القاعدة المتطرفة، بينما ذكر محللون آخرون أن الولايات المتحدة دعمت الإخوان لإسقاط حكم حسني مبارك، لأن مصر هي مركز قوة الإخوان في العالم العربي، وإذا نجحت التجربة كان سيتم تعميمها على بقية البلاد العربية. لكن موقف الإخوان من إسرائيل وعلاقتهم بحماس التي تعد جزءا من التنظيم الدولي لـ”الإخوان” وتتعامل معها الولايات المتحدة كتنظيم إرهابي، وإيران التي تربط الجماعة بها علاقة طيبة ظل معضلة أمام ذلك. بينما رأى آخرون أن العلاقة لم تكن علاقة ود، لكنها علاقة مبنية على المصالح الأمريكية من جهة ومصالح الإخوان من جهة أخرى، حيث من مصلحة الولايات المتحدة الحفاظ على الاستقرار في مصر وهذا لصالح أمن إسرائيل، والإخوان جزءاً من المعادلة السياسية فيها.
وهكذا فإنه بعد ثورات الربيع العربي تقاطعت مصالح قوى دولية وإقليمية مع مصلحة جماعة الإخوان، لكن الأمور أخذت مجرى أخر حين أخفق الإخوان في الخروج عن البنى التنظيمية والفكرية التي حكمت الجماعة منذ تأسيسها، فضلاً عن عدم تمكنهم من إدارة ملفات الدولة المنهكة، وتحقيق طلبات الثورة التي جاءت بهم إلى سدة الحكم، إضافة إلى استعداء جهاز الدولة القديمة، وفئات الشعب المصري العريضة ، احتشدت ضدها بمساندة الجيش لتسقطها في 30 يونيو 2113. وكان موقف الولايات المتحدة مرتبك واستمر كذلك حتى الآن، وحاولت إدارة أوباما إمساك العصا من المنتصف، وكان سقوط الإخوان بمصر ضربة لرهانها على قدرة الجماعة على فرض الاستقرار والسيطرة على مجريات الأمور، وكان الموقف الأمريكي أسير توازنات داخلية حيث لديهم تخوف من فقدان أبرز مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.
* أما في عهد الرئيس دونالد ترامب والذي كان من وعوده الانتخابية تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية، وتربطه علاقات جيدة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكذلك مع دولتي الإمارات والسعودية، وكلهم يطالبون الولايات المتحدة بتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية.

يبدو أن ترامب اضطر إلى تأجيل هذا القرار لعدة أسباب منها:
جماعات الضغط من قبل الجماعات الموالية للإخوان في العديد من المراكز الحكومية.
تحذير الخارجية الأمريكية من أن القرار سيكون له عواقب على علاقات أمريكا بمنطقة الشرق الأوسط.
الضغوط من قبل بعض المنظمات كـ “هيومان رايتس واتش” التي اعتبرت الإخوان حركة سياسية واجتماعية فقط.
الصراع في المؤسسات البحثية الأمريكية بين من يعتبر كل الجماعات الإسلامية جماعات متطرفة، وبين آخرين يرون أنه يمكن التفريق بين الجماعات المتطرفة والمعتدلة.
صعوبة تنفيذ القرار، وكيفية التعامل مع دول صديقة للولايات المتحدة كالكويت والأردن وتونس والمغرب وغيرها، يشكل الإخوان جزء من برلمانات تلك الدول.
الصحافة لعبت دوراً كبيراً في تراجع الإدارة الأمريكية عن قراراها. يبدو أن قراراً من الكونجرس باعتبار منظمة الإخوان منظمة إرهابية لن يكون أمراً سهلاً، وخاصة أن التشريع لم يحظ بأغلبية الأصوات، والإخوان نجحوا ومنذ الخمسينيات من خلق اتباع لهم ومؤيدين في الداخل الأمريكي، غير أنه وعلى صعيد آخر فوجود دونالد ترامب، ووزير الخارجية الأمريكية مايك بامبيو المطارد للإخوان منذ أن كان عضواً في الكونجرس يشكل خطراً كبيراً على هذا التنظيم، كذلك مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي يؤيد هذه الخطوة بشكل كبير.
وكانت المناقشات التي تمت في الجلسة التي تم تخصيصها من لجنة الأمن القومي في الكونجرس والتي تم تخصيصها لمناقشة خطر تنظيم الإخوان، قد ارتفعت فيها أصوات ترى بأن الإخوان يمكن أن يكونوا بوابة للتطرف . هذا القرار إن صدر سيكون له تداعيات كبيرة على الجماعة من النواحي الاقتصادية والقانونية خاصة، وتكمن الخطورة في أنه سيُحضر التعامل معهم، فمن الناحية القانونية سيكون هناك حرمان من التنقل والسفر بالنسبة للإخوان، وقد ترفض الكثير من الدول استقبالهم، وخاصة أن التنظيم الدولي للإخوان مقره في بريطانيا، وهو الذي يدير شؤون الفروع في مختلف دول العالم بتوجيهات من المرشد العام، الموجود حالياً في السجن بمصر.
