
بقلم : راجي بشاي
مخطط الإخوان في الغرب.. كيف تحولت كندا إلى مركز تمدد استراتيجي صامت للـ جماعة؟
تتصاعد في الآونة الأخيرة مطالبات بحظر جماعة “الإخوان المسلمين” ، وذلك بعد تحذيرات سياسية وأمنية في الولايات المتحدة وكندا بشأن تمدد جماعة الإخوان داخل مؤسسات المجتمع الغربي، بعد عقود من العمل الهادئ والمنظم الذي استهدف بناء شبكات نفوذ ذات طابع سياسي واجتماعي واقتصادي.
وقد جاءت خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بتوقيع أمر تنفيذي يمهد لتصنيف بعض فروع الإخوان كمنظمات إرهابية عالمية، لتفتح الباب رسميًا أمام مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر الحركات الإسلامية تأثيرًا وتشعبًا في العالم. وفي هذا السياق، أشاد السيناتور الجمهوري تيد كروز، صاحب أول مشروع قانون قدم أمام الكونجرس لتصنيف الجماعة إرهابية، بالخطوة قائلاً إن هذا الإعلان يمثل لحظة حاسمة في حماية الأمن القومي الأمريكي، وإن المعركة ضد ما وصفه بالفكر الجهادي السياسي الذي تقوده جماعة الإخوان استغرقت أكثر من عقد من الزمن وواجهت مقاومة حادة من أنصار الجماعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وكذلك من البيروقراطيات المتجذرة داخل مؤسسات الحكم.
وأكد كروز أن الإخوان يشجعون ويدعمون الإرهاب الجهادي ويوفرون الموارد اللازمة لتنفيذه حول العالم، مشددًا على أن الجماعة تسعى للإطاحة بالولايات المتحدة وحلفائها من الحكومات الغربية والعربية على حد سواء، داعيًا مجلس الشيوخ إلى سرعة تمرير قانون تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية لعام 2025.
هذه التطورات السياسية جاءت متزامنة مع كشف تقارير إعلامية واستخباراتية مهمة عن وجود مخطط قديم يعود لأكثر من ثلاثين عامًا وضعته الجماعة بهدف اختراق أمريكا الشمالية عبر استراتيجية تمتد لعقود، وفق ما نشرته شبكة سي نيوز الفرنسية، التي أشارت إلى أن وثيقة داخلية مكونة من 18 صفحة كتبت عام 1991 واكتُشفَت لاحقًا في تحقيقات أمريكية عام 2007، تحدد بوضوح عملية سمتها الجماعة بـ”العملية الحضارية الجهادية”، التي تهدف إلى تخريب الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل عن طريق بناء نفوذ اجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي، مستندة إلى نموذج ناعم يعتمد على التخفي والاندماج التدريجي داخل المجتمعات الديمقراطية، وليس عبر أسلوب المواجهة المباشرة.
ووفقًا لوثائق صودرت في الولايات المتحدة عام 2004 خلال التحقيق مع إسماعيل الباراسي، أحد الشخصيات المرتبطة بحركة حماس، فإن الجماعة وضعت خطة استراتيجية دقيقة لتعزيز وجودها في أمريكا وكندا عبر شبكة من المؤسسات الدينية والتعليمية والحقوقية والمراكز المجتمعية، تشمل 29 منظمة كبرى مثل الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، رابطة الشباب المسلم العربي، الوقف الإسلامي لأمريكا الشمالية، المعهد الدولي للفكر الإسلامي، ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR)، الذي امتد لاحقًا إلى كندا تحت اسم CAIR-CAN، إضافة إلى رابطة الطلاب المسلمين التي تعمل داخل الجامعات الكندية بشكل واسع ومؤثر.
ويرى الباحث السياسي رامي دباس أن الجماعة تبني نفوذها وفق فلسفة تنظيمية شديدة الانضباط تتلخص في جملة واحدة اعتبرها أهم ما قيل في تاريخ التنظيم: “نبني الفرد المسلم، ثم المجتمع المسلم، ثم الدولة الإسلامية، وعندها الخلافة”. ويؤكد أن كندا أصبحت في العقد الأخير بيئة حاضنة لقيادات الإخوان بعد سقوط حكم محمد مرسي في مصر عام 2013، وأن العديد من قيادات التنظيم الدولي وجدوا في كندا ملاذًا آمنًا ومركزًا لإعادة إنتاج نفوذهم العالمي من خلال منظمات حقوقية وتعليمية تعمل تحت غطاء الدفاع عن الأقليات والحريات الدينية.
ويقول دباس إن التدخل الإخواني العميق داخل المشهد السياسي الكندي كان أحد الأسباب غير المعلنة للخلاف الدبلوماسي الكبير الذي وقع بين كندا والسعودية عام 2018، حيث استخدمت الجماعة شبكتها الإعلامية والتنظيمية للتحريض ضد الرياض في تلك الفترة، في إطار صراع نفوذ إقليمي ودولي أوسع.
هذا الامتداد التنظيمي أصبح مصدر قلق رسمي في كندا نفسها، حيث قال الإمام محمد التوحيدي رئيس مجلس الأئمة العالمي، خلال المنتدى البرلماني حول السلام والأمن في أوتاوا، إنه لا يوجد تهديد للأمن القومي الكندي اليوم أعظم من جماعة الإخوان، مؤكدًا أن الجماعة تمتلك قدرة هائلة على التسلل والتلاعب والتعبئة الأيديولوجية، وأن تهديدها يتجاوز الحدود التقليدية التي يُنظر بها إلى التنظيمات المتطرفة.
ومن جانبه، وصف وزير العدل الكندي الأسبق إروين كوتلر هذه التحذيرات بأنها دعوة عاجلة إلى العمل السياسي والتشريعي، مضيفًا أن التطرف الإسلامي الراديكالي الذي يغذيه الفكر الإخواني يشكل تهديدًا مباشرًا للقيم الكندية وهوية المجتمع والديمقراطية التعددية.
وتشير تقارير معهد دراسة معاداة السامية والسياسات العالمية إلى أن كندا شهدت ارتفاعًا مقلقًا بنسبة 670% في الحوادث المعادية للسامية خلال عام 2024، إضافة إلى تسجيل 83 قضية ذات صلة بالإرهاب ما بين أبريل 2023 ومارس 2024، وهي أرقام يقول الخبراء إنها مرتبطة بشكل مباشر بتنامي النفوذ الإخواني داخل بعض المؤسسات التعليمية والإعلامية والحقوقية التي يُتهم جزء منها بلعب دور في نشر خطاب الكراهية وتعبئة الرأي العام ضد الأنظمة السياسية الحليفة للغرب.
إن المشهد اليوم يبدو مفتوحًا على سؤال كبير: هل تتخذ كندا الخطوة التي اتخذتها دول عدة مثل مصر والإمارات والسعودية والبحرين والأردن والنمسا وتتصدى لهذا النفوذ عبر تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي؟؟؟
أم أنها ستستمر في السماح لهذا الامتداد بأن ينمو تحت شعارات الليبرالية والديمقراطية وحماية الأقليات؟ وهل تستطيع كندا، التي تُعد واحدة من أكثر الدول انفتاحًا واستقبالاً للمهاجرين، أن تواجه تنظيمًا عالميًا يعمل بصمت وبخطط تمتد لعقود، ويملك القدرة على اختراق مؤسسات الدولة من الداخل؟
ونحن نرى أن المعارك القادمة لن تكون فقط سياسية، بل معركة سردية ومعلومات ووعي عام، وما يجري اليوم في كندا قد يكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الديمقراطيات الغربية على حماية نفسها من مشروع يعلن صراحة، في وثائقه السرية، أن هدفه النهائي هو تفكيكها.
آليات التمويل والتحويلات المالية داخل كندا..
شبكة اقتصادية تعمل تحت أضواء القانون بعقلية التنظيم السري
تعتبر شبكات التمويل أحد الأعمدة الأكثر حساسية في مشروع التمدد الإخواني داخل كندا، حيث استطاعت الجماعة خلال السنوات الماضية بناء منظومة مالية معقدة تعتمد على واجهات متعددة، تبدأ من المؤسسات الخيرية والمراكز الإسلامية والمساجد، وتمتد إلى شركات استثمارية وجمعيات أهلية ومدارس خاصة ومؤسسات تعليمية تعمل دون رقابة صارمة.
ويشير خبراء أمنيون إلى أن الإخوان يستخدمون نموذجًا يقوم على تجزئة مصادر التمويل وصعوبة تتبعها، عبر تقسيم الأموال إلى تبرعات فردية صغيرة يتم جمعها تحت ستار العمل الإنساني والمساعدات الاجتماعية، ثم إعادة تدويرها داخل شبكة من الجمعيات والمراكز التي تبدو قانونية في الظاهر لكنها في الواقع تشكل بنية اقتصادية متكاملة هدفها الأساسي توفير موارد مالية ثابتة للتنظيم وتمويل مشروعات سياسية وإعلامية وجهادية حول العالم. وتعتمد الجماعة على نظام تحويلات معقد يتم عبر شركات صرافة وتحويلات نقدية لمؤسسات في دول أخرى تعمل كوسطاء، ما يسمح بتجاوز الرقابة المصرفية المباشرة.
وبحسب وثائق تحقيقات أمريكية سابقة حول مؤسسة الأرض المقدسة المرتبطة بحماس، فإن جزءًا من الأموال التي تحدث عنها المحققون كان يتم جمعه من داخل كندا عبر حملات خيرية مرتبطة بقضايا إنسانية، ثم يجري توجيهها إلى مشاريع سياسية وتنظيمية لا علاقة لها بالعمل الخيري، وهي النماذج ذاتها التي يتخوف منها قانونيون ومسؤولون أمنيون في أوتاوا اليوم.
وفي ظل ثغرات في قوانين الشفافية المالية الخاصة بالمنظمات الدينية والمراكز الثقافية، أصبح من الممكن للجماعة بناء شبكة اقتصادية قادرة على الحركة بحرية، مستندة إلى مزايا النظام الكندي نفسه في حماية حرية التنظيم والتبرع والعمل المدني.
التغلغل في الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان..
استراتيجية صناعة الضحية والسيطرة على السردية العامة
في المجال الإعلامي والحقوقي، تتبع جماعة الإخوان استراتيجية ناعمة لكنها شديدة التأثير، تقوم على خلق صورة “الضحية المضطهدة” التي تسعى لحماية الأقليات والدفاع عن حقوق المهاجرين والمسلمين، وهو ما يجعل الجماعة قادرة على التمركز داخل مساحات حساسة في الرأي العام الكندي، مستفيدة من منظومة سياسية وثقافية تقوم على تقديس الحرية الفردية ومكافحة التمييز.
وقد تمكنت الجماعة خلال العقد الأخير من بناء حضور واسع داخل عدد من المؤسسات الصحفية والمراكز الحقوقية والمنصات الإعلامية الرقمية التي تقدم خطابًا يستند إلى أجندة تبدو إنسانية تمامًا في ظاهرها، لكنها تعمل في العمق على إعادة إنتاج سردية إخوانية أيديولوجية موجهة.
قانون الإسلاموفوبيا في كندا.. حماية للإخوان وليس للمسلمين توظّف الجماعة قضايا حساسة مثل العنصرية ضد المسلمين، والعنف الديني، وحقوق اللاجئين، كمدخل للتأثير على الرأي العام والسيطرة على الخطاب الحقوقي في كندا. وقد نجحت بالفعل في الدفع باتجاه تبنّي قانون الإسلاموفوبيا داخل الحكومة الكندية، ليس بهدف حماية المسلمين فعليًا من العنف—فالقوانين الكندية الحالية قوية وشاملة وتحمي جميع الطوائف دون استثناء بما فيها المسلمون—بل لحماية أهداف الجماعة الأيديولوجية والسياسية، ولتوفير غطاء يمنع توجيه أي نقد لنشاطها التنظيمي والتخريبي. فمجرد انتقاد تلك الجماعات يُصنّف فورًا ككراهية دينية أو تمييز، ما يخلق درعًا قانونيًا وأخلاقيًا يقي مشروعهم من المساءلة أو الرقابة.
وفي كثير من الحالات تنتهي هذه التعبئة إلى اختطاف عقول الشباب وتحويلهم إلى أدوات في مشروع سياسي وليس إنساني، مشروع يبدأ بالشعارات الثورية وينتهي بتسميم الوعي والتطرف وقطع العلاقة بين هؤلاء الشباب وبين قيم المجتمع الذي يعيشون فيه.
نكمل في المقال القادم إن أمهلنا الله وعشنا

