
بقلم: مريم المهدي
الجميع اليوم يقف أمام معادلة صعبة بعد توقيع قادة مصر وامريكا وقطر وتركيا وثيقة انهاء الحرب في غزة بمؤتمر شرم الشيخ علي ارض مصر
كيف يمكن تحويل لحظة وقف النار إلى فرصة سياسية، لا إلى هدنةٍ مؤقتةٍ تمهّد لجولةٍ جديدة من الصراع؟.ما بعد الحرب لا يشبه ما قبلها. فقد أعادت حرب غزة تشكيل المشهد السياسي في المنطقة بأكملها، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات الدقيقة، حيث تتقاطع حسابات الأمن والسياسة مع ضرورات الإعمار والاستقرار
بدأ وقف إطلاق النار في غزة مع انسحاب القوات الإسرائيلية موافقة”حماس” للإفراج عن الرهائن مقابل إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين ، في خطوة تمهد لتنفيذ خطة ترمب ذات المرحلتين التي تهدف إلى نزع سلاح الحركة وإعادة إعمار القطاع وتوحيد غزة والضفة. ورغم تعقيدات المفاوضات المقبلة، فإن توافق المصالح بين واشنطن والدول العربية وإسرائيل
يخلق فرصة حقيقية لإنهاء الحرب وتحقيق سلام مستدام. الجميع اليوم يقف أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تحويل لحظة وقف النار إلى فرصة سياسية، لا إلى هدنةٍ مؤقتةٍ تمهّد لجولةٍ جديدة من الصراع ؟
لكن خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنقسم بصورة أساسية إلى ( مرحلتين ) ، وهذه الخطوات لا تمثل سوى المرحلة الأولى. وعلى رغم أن تنفيذ هذه الإجراءات صعب بطبيعة الحال (نظراً إلى الوقت الطويل الذي استغرقته “حماس” وإسرائيل للاتفاق عليها)، فإنها تبقى أسهل بكثير من بنود المرحلة الثانية المقترحة. وتتضمن هذه المرحلة نزع سلاح “حماس”؛ وانسحاباً إسرائيلياً إضافياً إلى منطقة عازلة داخل حدود القطاع، يعقبه انسحاب كامل عندما تزول تهديدات غزة لإسرائيل؛ وإنشاء مجلس سلام للإشراف على حكم القطاع، وتشكيل مجموعة تكنوقراطية من الفلسطينيين لتولي شؤونه الإدارية، فضلاً عن نشر قوة دولية لحفظ الاستقرار؛ والبدء بإعادة إعمار القطاع واستقطاب الاستثمارات إليه. وتتضمن المرحلة الثانية إصلاحاً جذرياً للسلطة الفلسطينية التي تدير الضفة الغربية، من أجل التمهيد لإعادة توحيد غزة والضفة سياسياً، وفتح الطريق أمام منح الفلسطينيين الحق في تقرير المصير وإقامة دولتهم
تحت الضغط :
لقد تم التوصل إلى وقف إطلاق النار هذا، إلى حد كبير، بفضل الرسالة الواضحة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جميع الأطراف المعنية، ومفادها بأن الوقت قد حان للإفراج عن الرهائن وإنهاء الحرب. وكان ذلك أحدث مثال على حقيقة راسخة منذ زمن طويل: حين يتعلق الأمر بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني ب، فإن الولايات المتحدة تملك نفوذاً هائلاً. وكما قال الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، عندما برر خطوته لإبرام السلام مع إسرائيل، فإن واشنطن تملك “99 في المئة من الأوراق”. وأدرك السادات حينذاك أنه لا أحد غيرها قادر على تحريك الأمور.
لقد ساعد ترامب في دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى القبول بهذه الصفقة. ربما كان نتنياهو قادراً على مقاومة ضغوط الرئيس الأميركي جو بايدن من أجل السلام، من خلال الاعتماد على دعم الجمهوريين، بالتالي التسبب في انقسام داخل واشنطن. لكنه لم يكن يملك الخيار نفسه مع ترمب، إذ لا توجد أية قاعدة سياسية يعتد بها تدعم أية محاولة من نتنياهو لمواصلة قتال يعترض عليه ترمب، مما يدركه رئيس الوزراء الإسرائيلي تماماً. لذلك لم يرغب في اختبار ما قد يفعله ترامب إذا رفض مقترحاته.
وقام ترمب بدور محوري آخر في محاولة إنهاء هذه الحرب. فالدول العربية الكبرى وتركيا تملكان القدرة على ممارسة نفوذ على “حماس”. وهذه الدول ترغب في الحفاظ على علاقات جيدة مع ترامب وتأمل أن تكون له مصلحة مباشرة في نجاحها، مما يمنح الرئيس الأميركي نفوذاً غير مباشر على “حماس” أيضاً.
مصالح الدول العربية مع أمريكا :
في الواقع، لدى تركيا والدول العربية جملة من الأسباب التي تدفعهما إلى الحرص على إبقاء علاقات ودّية مع ترامب. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى إلى الحصول على مقاتلات ” إف 35 ” الأميركية، كما تطمح السعودية والإمارات إلى توسيع التعاون مع واشنطن في مجالي الذكاء الاصطناعي والدعم العسكري. واستوقفها أن قطر نالت من ترمب التزاماً أمنياً يعادل، نظرياً في الأقل، المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي الخاصة بالدفاع المشترك. وهكذا أدركت هذه الدول أن ترمب يمتلك القدرة على تعزيز مصالحها.
لا أحد يرغب في تحمل مسؤولية وتبعات استئناف الحرب :
وهناك سبب أخير دفع “حماس” وإسرائيل في نهاية المطاف إلى الاتفاق على وقف لإطلاق النار: بدأ الإسرائيليون يدركون أنهم، وعلى رغم إنجازاتهم العسكرية الاستثنائية التي غيرت موازين القوى في المنطقة وأضعفت إيران وشبكة وكلائها، خسروا المعركة السياسية. ولم يسبق لبلادهم أن كانت بهذه العزلة على الساحة الدولية. فكثير من حلفائها التقليديين في أوروبا يقودون اليوم حملة للاعتراف بدولة فلسطينية، وبعضهم يندد بما يصفه بجرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في غزة. وتشهد مدن أوروبية كبرى احتجاجات حاشدة ضد أفعال إسرائيل. وقد حمى ترمب إسرائيل من جانب كبير من هذا الضغط الدولي، غير أن استطلاعات الرأي تظهر تراجعاً حاداً في التأييد لها داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ أصبح الديمقراطيون والمستقلون، وحتى الجمهوريون الأصغر سناً، أقل تعاطفاً معها بكثير. ويشعر عدد كبير من الإسرائيليين، بصورة غريزية، بأن التوفيق بين إرضاء العالم الخارجي والحفاظ على أمنهم وتلبية حاجاتهم أمر متعذر. لكن الواقع القاسي بالنسبة إلى إسرائيل هو أن استمرار عزلتها سيضعف أمنها أكثر من تخليها عن هدف نتنياهو المتمثل في إخضاع “حماس” كلياً في غزة، وهو هدف بدا كأنه يتطلب حملة لا نهاية لها. وفي نهاية المطاف، بدا أن رئيس الوزراء يدرك أن الوقت قد حان لإيجاد سبيل لإنهاء الحرب.
توافق المصالح :
من الممكن أن تحاول “حماس”، الغاضبة من خسارة سلطتها [مصادر قوتها] والمصممة على إضعاف إسرائيل، انتهاك شروط وقف إطلاق النار. وإن فعلت، فقد يشعل ذلك حرباً جديدة. وإذا سعت الحركة سريعاً إلى استعادة قوتها ولم تتخذ الإدارة الموقتة وقوة حفظ الاستقرار أي إجراء لردعها، فستتحرك إسرائيل.
ومع ذلك، يبقى الأمل معقوداً على أن تتمكن الإدارة المؤقتة وقوة حفظ الاستقرار من التصدي لأية محاولة من هذا النوع. فأكثر الدول استعداداً للاستثمار في إعادة إعمار غزة تُجمع مع إسرائيل على هدف نزع سلاح حماس والحرص على عدم إمساكها بالسيطرة على القطاع. كما أن التكتل الأوسع من القوى – الولايات المتحدة بوصفها قوة كبرى، والعالم العربي
الساعي إلى إنهاء الصراع، وإسرائيل الراغبة في وقف القتال – يشكل بدوره سبباً للتفاؤل، إذ يشير إلى إمكان تجاوز العقبات الباقية

