
بقلم: محمد سعد عبد اللطيف
لم تكن الحرب الخاطفة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت – ككل الحروب الكبرى – لحظة انكشاف سياسي وفكري في بنية الصراع الإقليمي. وعلى امتداد اثني عشر يومًا، تساقطت أوراق التوت عن كثير من الفرضيات والنظريات التي اعتدنا ترديدها كلما اشتدت الأزمة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مقولة “التخادم” بين طهران وتل أبيب، التي لطالما بدت للبعض أقرب إلى المؤامرة منها إلى التحليل السياسي الرصين…،
–لكن السؤال الأهم اليوم: هل كانت هذه الحرب إعلان وفاة لفكرة التخادم؟ أم مجرد إعادة ضبط لميزان المصالح بين خصمين يتقاطعان أكثر مما يتصارعان؟
— منذ عقود، جرت محاولة تفسير العلاقة بين إسرائيل وإيران من خلال نموذجين متوازيين. الأول ينتمي إلى حقل “العقلانية الجيوسياسية الحديثة”، وينظر إلى كل دولة بوصفها لاعبًا يسعى لتعظيم مكاسبه وتقليل خسائره، في نظام دولي فوضوي لا مركز له، حيث القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة. أما النموذج الآخر، فيغوص في عمق التاريخ والثقافة، ليرى في العلاقة بين الفرس واليهود شكلًا من أشكال التواطؤ الطويل الأمد، حيث تلعب العداوات الظاهرة دور الغطاء لاستراتيجيات هيمنة مشتركة على حساب بقية شعوب المنطقة.،،
— لكن الأزمة لا تكمن في أي النموذجين أكثر صدقًا، بل في فشل كليهما في تفسير لحظة الحرب نفسها. ذلك أن الصراع لم يكن لحظة انكسار في العلاقة، ولا مجرد نتيجة طبيعية لتحولات ميدانية، بل تجسيد معقّد لتحولات داخل البنية الأيديولوجية والمؤسسية للدولتين..،
— في الحالة الإسرائيلية، لم تعد المواجهة مع إيران مجرد “تهديد استراتيجي محتمل”، بل تحولت إلى حاجة داخلية ملحة لإعادة ترتيب البيت السياسي، وسط اهتزازات داخلية عميقة، وانقسام مجتمعي حاد، وتراجع الدعم الغربي التدريجي. أما في الحالة الإيرانية، فإن الخطاب الثوري الذي طالما حمل راية “محو إسرائيل” بات يجد نفسه محاصرًا بأسئلة شرعية داخلية: لماذا كل هذا التمدد الإقليمي إن كانت الطائرات الإسرائيلية تستطيع ضرب الداخل من دون رد يوازي حجم الخطاب..؟
— في هذا السياق، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بالتحليل الواقعي الذي يُعلي من شأن القوة المادية، ولا بالسردية التاريخية التي تختزل العلاقة في تحالفات خفية. نحن أمام تحول بنيوي في فلسفة الصراع، يتطلب استحضار أدوات أكثر تعقيدًا، تأخذ بعين الاعتبار دور الدولة الحديثة كمُنتِج للهوية والقيم، لا مجرد فاعل عقلاني في ساحة دولية…
— فإسرائيل ليست مجرد قاعدة عسكرية غربية في الشرق، بل كيان أيديولوجي يتغذى على الإحساس الدائم بالخطر الوجودي. وإيران ليست مجرد دولة تسعى لتصدير الثورة، بل منظومة سلطوية هجينة، تُعيد إنتاج الخطاب الديني في قوالب قومية توسعية، تؤسس لشرعية داخلية من خلال تصدير الأزمات إلى الخارج.،،
— والسؤال الذي لا مفر منه اليوم: إذا كانت إسرائيل تملك القدرة على ضرب العمق الإيراني، فلماذا لم تفعل ذلك منذ سنوات…؟ ولماذا لم تُنهِ وجود حزب الله في الجنوب اللبناني حين كانت قادرة على ذلك…؟
— الإجابة تكمن في أن الصراع – رغم دويّ الانفجارات – لم يكن يومًا محض مواجهة صفرية. بل هو صراع يُدار بأدوات مركبة، تمزج بين الضغط والاحتواء، وبين التهديد والتنسيق غير المعلن. فإسرائيل تدرك أن ضرب إيران بشدة قد يدفعها إلى الانهيار، وهذا الانهيار قد يطلق قوى لا يمكن السيطرة عليها، من فوضى طائفية إلى تسونامي لاجئين، مرورًا بفتح المجال لقوى مثل الصين وروسيا لملء الفراغ.
–وفي المقابل، تعرف إيران أن تجاوز “خطوط الردع” قد يفتح الباب لحرب شاملة لن تحتملها، لا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا، في ظل حالة الانهاك الشعبي والعقوبات المتواصلة. من هنا، تتبدى العلاقة بين الطرفين كأنها نوع من “الرقص على الحافة”، حيث لا أحد يريد السقوط، لكن الجميع مستعد لاستخدام السقوط كأداة تهديد…،،
— في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتفقد فيه النظريات السياسية التقليدية قدرتها على التفسير، ربما علينا أن نعيد التفكير في أدواتنا التحليلية، وأن نتوقف عن الانشداد إلى ثنائيات الخير والشر، والعدو والصديق، والتخادم والتآمر. فالصراع بين إسرائيل وإيران ليس سوى مرآة لصراع أعمق: صراع الأيديولوجيا والدولة، بين شعوب تبحث عن معنى، ونخب تصنع الأساطير لتبرير هيمنتها..
–وفي النهاية، الحرب قد تتوقف، لكن الصراع لم ينتهِ… بل قد يكون قد بدأ لتوه…,!
