
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@yahoo.com
مجرد مقدمة
فكرت أن أكتب عن جنون العالم الآن وحروبه التي أصبحت منتشرة على خريطة العالم وقد يكون أحدثها هي حرب أمريكا وإسرائيل على إيران؛ نعم إيران تستحق التأديب لأنها أصبحت محورا للشر هي وأذرعها الشريرة التي تدفعها إيران إلى معارك بالوكالة؛ لكن الحرب هي الحرب والشر هو الشر والموت هو الموت وكل هذه الحروب تدفع العالم وأعتقد اعتقادا راسخا إلى نهاية أقل ما يعبر عنها أنها نهاية سوداء؛ لذا قررت أن أختار موضوعات قد تفيد ولا تضر.
إنها الإنسانية أيها الأغبياء
لعل البدء ببعض العناوين الكبيرة التي تصدرها الصحف في بلدنا هو الأفضل أو كمؤشر نحو عنوان المقال لنتدرج به من حيث القدرات الغبائية. عنوان يقول ” مسلم ينقذ مسيحي من الغرق ” وآخر يقول: مسيحي ينقذ مسلم من الاحتراق بعد أن اشتعلت في منزله النيران، وثالث يقول : مسيحي يقيم مائدة الرحمن للمسلمين في شهر رمضان، ورابع يقول: مسلم يتنازل عن قطعة أرض لبناء كنيسة، وخامس وسادس وإلخ . من عجائب بلدي أنها تمضغ كلمتي مسلم ومسيحي كالعلكة ” اللبان “، بمناسبة أو غير مناسبة تجدهما يبرزان كأسماء للمناداة وليس كعقائد المفروض أن تستريح في مكان العبادة. حتى في الشر ستجدهما فالمسلم قتل المسيحي بسبب مشاجرة بين الأولاد، أو مسيحي اعتدى على مسلم لأنه رش الماء أمام محله. هذه العناوين أضع دائما أمامها علامة استفهام ومئة مليون علامة للدهشة بعدد الشعب المصري وكأنني أقول كفى.. بالله عليكم كفاكم من عقول الجهل والجاهلية ، وللإعلام بالتحديد أقول كفاك من الاسترخاص في المهنة وكتابة العناوين من أجل الإثارة وهي بعيدة كل البعد عن الإثارة وإن كانت تبرز فهي تبرز الغباء الإعلامي ، فالمسلم الذي أنقذ المسيحي لم ينقذه بحكم ديانته ولكن بحكم الإنسانية ، وكذلك المسيحي الذي انقذ المسلم ، ومائدة الرحمن من مسيحي فهي لفتة إنسانية ، وكذا تبرع المسلم بقطعة أرض لبناء كنيسة ، كلها إنسانيات وإنسانيات فقط يجب أن تكون بين البشر وليست كإعلانات عن العقائد تكتب بطريقة الرذيلة وكأنها إعلان فوق باب ملهى ليلي عن فن الراقصة ” سوسو ” وهي لا تظهر فنها سوى في آخر الليل وهي ترقد في أحضان الرجال ” ، تشبيه لا أخجل من كتابته بعد أن وصلت الأمور إلى حد السفه في استخدام كلمة مسلم ومسيحي داخل وطن يتشدقون فيه بالمواطنة ، ومن أين تأتي المواطنة ونحن لا نتوقف عن التفرقة بالإشارة دائما إلى العقيدة !!!! ، وكل أمر يحدث بالخير أو الشر يسند إليها وتجاهلنا الإنسانية في الخير ، والعنف البشري الموجود في بعض البشر والذي يظهر في الاختلافات والمشاجرات دون أن يكون له ارتباط بالعقيدة من أساسه ، لكن الأمر يكبر ويكبر ويتحول إلى معارك طاحنة بمجرد دخول النعرة الدينية والموضوع كان أصلا بعيدا عنها . في الحقيقة لم أكن أود أن أتطرق إلى الشر لكنها جاءت ككلمات مسترسلة لا أكثر، فحديثي كله سيكون عن إنسانية الإنسان الموجودة في كل البشر باختلاف العقائد والجنس واللون وخلافة وليس لها علاقة بأي منها، لكنها كشيء يوجد داخل البعض وقد لا يوجد داخل البعض الآخر ، شيء داخل عمق الإنسان وضميره وفكره ” إنسان أو لا إنسان “، أفكر في الإنسانية ككل وليست هبة أمنحها للبعض وأشحها على البعض الآخر، فكر إنساني يحب الجميع ويسعى دائما لخدمتهم بطريقة نافعة ومفيدة. هذا المثال البارز الذي سأذكره أرجو ألا ُيفهم على أنه من باب التعصب فأنا لا أعرفه، فقط كمثال حي على ما أقول عن الفكر الإنساني الذي يعمل بوعي وإدراك من أجل المساعدة البناءة وليس كمظهريات أو كشيء لا يخدم الجميع ويقتصر على فئة محددة وهنا يبتعد تماما عن الغرض الإنساني. الدكتور أو السير مجدي يعقوب نابغة الطب العالمي ونابغة جراحات القلب ، عندما بدأ حياته بعد تخرجه من كلية الطب في وطنه صُدم لأنه حرم من تعيينه كمعيد بالرغم من تفوقه عن غيره ، قرار تعصبي منعه من حقه ، هاجر وأكمل دراساته الطبية وتفوق بجدارة ، لكن هذه المرة في بلاد تتعامل مع الإنسان كإنسان ولا تنظر إلى عقيدته أو لونه أو جنسه ، ووصل السير مجدي يعقوب إلى أعلى المناصب ونال العديد من التكريمات ، وبعد الوصول إلى القمة تذكر وطنه ونادته إنسانيته أن يكرس علمه وثروته من أجل علاج أبناء وطنه الذين ترفضهم المستشفيات الخاصة دون رحمة لأنهم لا يقدرون على دفع تكاليفها الباهظة وترفضهم المستشفيات الحكومية إما لعدم الإمكانيات أو أنه ليس لديهم الواسطة التي ترشحهم للعلاج بها ، وهنا تبرز إنسانية الرجل الذي رفضه التعصب ليعود ثانية من أجل أن يكرس نفسه لوطنه ، هذا السلوك لم تمله عليه عقيدة لكنه الفكر الإنساني الذي يبحث عن مساعدة الجميع ، فهو لم يأت من أجل أبناء عقيدته لكنه عاد للجميع كأخوة في الإنسانية ، لم يفكر في بناء كنيسة تقتصر على الصلاة لمجموعة قليلة ، لكن فكره بالكامل أتجه نحو العمل الإنساني للجميع . على الجانب الآخر ، شخصية أصبحت مشهورة جداً ونار فوق علم كما يقولون ، لاعب الكرة الجميل محمد صلاح ، الذي ظهر نبوغه في الخارج ونال شهرته في أنديته ، في بلاد تقدر الإنسان كإنسان وعمله دون النظر إلى عقيدته ، محمد صلاح لاعب جميل نفتخر به جميعا ويشرف بلاده في كرة القدم ، لكن عندما فكر أن يقدم شيئا لبلاده لم يفكر فيه بالعقلية الإنسانية التي تقدم الشيء لخدمة الجميع ، فجاءت تقدمته كتبرع لبناء معهد أزهري لا يخدم سوى مجموعة من أبناء عقيدته فقط ، وما أكثر المعاهد الأزهرية في مصر ، وما أكثر ما تهاجم الآخر، بسبب برامجها الدراسية التي تحض على الفتنة والعنف ، للأسف هو يمتلك القدم الذهبية التي أوصلته لهذه الشهرة في بلاد ترعى الإنسانية بدرجة ليس لها حدود ، لكنه لا يمتلك الفكر الإنساني الذي يدفعه عندما يفكر في تقديم إعانة لبلده أن يقدمها للجميع في صورة مدرسة عامة أو مستشفى أو أي شيء من هذا القبيل لإفادة الجميع ، فهل لا يزال في رأسه كلمة ” مسلم ومسيحي ” بالرغم من وجوده في هذه البلاد المتحضرة ، بالتأكيد كما قلت أنا لا ألومه ولا يهمني الأمر لكنه فقط مجرد مقارنة بين موقف يلعب فيه الفكر الإنساني أو لا يلعب ، ولأن الفكر الإنساني ليس مقصورا على هذين النموذجين ، فالكثير والكثير في كل مكان ، فقط اخترت هاتين الشخصيتين ليس كما يذهب فيه عقل البعض كعقيدة ، كل ما أتحرك في نطاقه هو الإنسانية والتي حولها الإعلام والبعض المتزمت إلى غبائيات عقائدية . سؤال يرد إلى ذهني كثيراً ، ما الذي حول الأمر إلى هذه الصورة وأقصد بها تحريك العقيدة مع كل كبيرة وصغيرة في بلادنا لتصنع حاجزا بين أبناء الوطن الواحد فتتحول كلمة ” المواطنة ” إلى شعار لا معنى له ، المواطنة تشمل أشياء كثيرة ، لكن الواجهة الأساسية لها في بلادنا هي العلاقة بين العقائد والمذاهب والطوائف ، وهي في الحقيقة واجهة حتى الآن معتمة ومظلمة بالرغم من كلمات كثيرة تقال كبخار يظهر قليلا ثم يضمحل وتبقى دائما كلمة ” مسلم ومسيحي ” بالرغم من أن الأمور ستتغير تماما لو تم تحويل الواجهة إلى الشفافية ، وتسير كل الأمور في اتجاه الحب وتسبقه الإنسانية.
رسالة من إبليس
أعزائي أبناء آدم : انتصار ساحق لي في ما خضناه حتى الآن من جولات، أعرف أن المعركة لم تكتمل ، ولكنني أستمتع بنشوة الانتصار ودلائله التي تملأ أرضكم، انظروا إلى صفحات الحوادث وراجعوا ما تفعلونه مع بعض في الشوارع ، الآباء الذين يقتلون أولادهم والأولاد الذين يقتلون آباءهم والزوجة التي تقتل زوجها بالاشتراك مع عشيقها وحوادث التحرش والاغتصاب وتقارير الفساد والمال الحرام، وكل منكم يحاول أن يتذكر آخر مرة فيها ابتسم فى وجه جاره، أو قبّل يد أبيه، أو وصل رحمه، أو رفض رشوة، أو أخلص في عمله ، أو ترفع عن نفاق مديره، وسيعرف أن رايتي هي الأعلى فى أرض المعركة الآن، وأن النصر هو رفيقي والخسارة والفشل تصاحبكم. أعزائى أبناء آدم: لم أعد معجباً بفكرة كونى الشماعة التي تعلقون عليها ذنوبكم وخطاياكم، لم أعد معجباً بفكرة كونى الأصل الذى تردون إليه الشرور النابعة من نفوسكم الأمارة بالسوء، ولابد أن تعرفوا أنى ليس لي من الإضلال أي شيء، إنما موسوس ومزين، ولو كان الإضلال بيدي ما تركت أحداً على وجه الأرض ممن يؤمنون بالله ، صائماً، ولا مصلياً، ولا محترماً، ولا على خلق ولا شريفا، ولذلك كفوا عن وضع خطاياكم فوق رأسي وقبل أن ترمونني باللعنات اسألوا أنفسكم أولاً: ألا تستحق نفوسكم الأمارة بالسوء بكل تفوقها الشرير وكل مكرها الخبيث أن تأخذ نصيبها من اللعنات؟.. ألا يستحق هؤلاء الذين أفسدوا عليك حياتك وجعلوك على مستقبل أبنائك وأحفادك غير آمن نصيبهم من تلك اللعنات. ألا يستحق هؤلاء الذين يحرقون الناس أحياء وسرقوا أراضي الدولة بأبخس الأثمان وتلاعبوا بالدين وقتلوا أهلك وإخوانك وتاجروا في قرارات العلاج على نفقة الدولة نصيبهم من اللعنات. ألا يستحق هؤلاء الذين جلعوا من الرشاوى والإكراميات دستوراً اجتماعياً نصيبهم من اللعنات بعد أن حققوا ما عجزت أنا وأبنائي الأبالسة على فعله. ألا يستحق هؤلاء الذين جعلوا من الدين تجارة نصيبهم من اللعنات. ألا يستحق من ترك جاره مريضا دون زيارة، ووالدته مريضة دون سؤال، وأخاه غاضبا دون ترضية، نصيبهم من تلك اللعنات؟ أعزائى أبناء آدم لا ترمونني باللعنات قبل أن تسألوا أنفسكم أولاً: هل أنا أكثر شراً من هؤلاء الذين يذكون نار الحروب من أجل أرباح أكثر؟ هل أنا أكثر شراً من الذين يتاجرون بأحلام الناس؟ هل أنا أكثر شراً من أصحاب تلك المستشفيات التي ترفض استقبال الفقراء حتى لو كانت أمعاؤهم تسبقهم على الأرض .هل أنا أكثر شراً من هؤلاء الذين يوسوسون لكم بالمغلوط من الأخبار والمعلومات بهدف إرباككم وإحباطكم أو الضحك عليكم، ومن هؤلاء الذين يدفعون الآباء للانتحار خجلا من أيديهم القصيرة التي لا تحضر ما تبصره عيون أطفالهم؟ أعزائى أبناء آدم: لقد تعبت من متابعة صفحات الحوادث في صحفكم اليومية ومواقعكم الإلكترونية، فلا أنا ولا وساوسي كنا نتخيل أن ننجح في لحظة ما في نصب فخاخ للخطايا من نوعية اغتصاب الأب لبناته.. أعزائى أبناء آدم: هذه كانت رسالتي لكم، اقرأوها أو قطعوها، فلا هدف منها سوى الاعتراف بأن أشراركم قد تفوقوا علّى.. ونفوسكم الأمارة بالسوء تفوقت على حيلي ومكرى وخداعي.
الثقافة والأخلاق وجهان لعملة واحدة
دائما أقول أن أخلاق مجتمع أو شعب تنبع من ثقافتهم وأن ثقافة مجتمع أو شعب تنبع من أخلاقهم. الأخلاق كانت تدرس في المدارس فخرج العباقرة، أحتفظ بكتاب قديم وله قيمة عظيمة عندي يحمل اسم ” الأخلاق ” كان مقررا للصف الثالث الثانوي، تأليف أحمد أمين، الأستاذ المساعد بكلية الأداب بالجامعة المصرية، حينذاك، وتم طباعته سنة 1934 . كانت مادة الأخلاق مقررا مهما يتم تدريسه فى المدارس الثانوية ، فخرج العباقرة فى كل المجالات، الطب والهندسة والعلوم، وفى الأدب والغناء وحتى الرياضة ، كانت مصر رائدة ، ومؤثرة فى محيطها الإقليمي، فى كل المجالات ، وكانت قوتها الناعمة فى الشعر والأدب، من قيمة وقامة أحمد شوقى وحافظ إبراهيم، وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وكانت «هوليوود» الشرق سينمائيا، وقدمت قامات فى الغناء والموسيقى .
نعم، كانت المدارس فى الماضي، تهتم بتدريس الأخلاق، جنبا إلى جنب مع ممارسة الرياضة، والاهتمام بالأدب، والفن والموسيقى والرسم، وأيضا، الاهتمام بالتدبير المنزلي، فخرج العباقرة، فى كل المجالات، وكانت قوة مصر الناعمة، لا حدود لها، وتأثيراتها البالغة، في تحسين صورة مصر العظيمة. وعندما تخلت المدارس عن تدريس «الأخلاق» وانهارت العملية التعليمية تحت أقدام الدروس الخصوصية، والاستهانة بالمدارس الحكومية، تراجعت قوة مصر الناعمة، فى الأدب والشعر والسينما والغناء والرياضة، فظهرت نوعيات في مختلف المجالات تدشن للسفالة والانحطاط والقبح بين الشباب، تحت مسمى أغاني المهرجانات، ووجدنا من اللاعبين بدون ذكر أسماء، يأتون من الأفعال الوقحة في ملاعب كرة القدم ما يندى له الجبين، وأساءوا للصورة التي يجب أن تكون محترمة. أود أن أؤكد على أننا نمر في تلك السنوات الثقال بأزمة ثقافية وأخلاقية وقيمية وفارق حضاري قد ازداد بشكل سريع جداً ليبعد بنا عشرات السنوات عما ينبغي أن نكون عليه الآن، تصدرت الرداءة وساد التدني بالمجتمع وتفشت الملوثات السمعية والبصرية بسبب تطورات العصر وتغيرات أذواق الجماهير. نعم على المسؤولين عن الثقافة في مصر، دورا بارزا وجوهريا خلال هذه المرحلة، فى مواجهة العبث المنتشر، فى كل مناحي الثقافة، الأدب، والسينما والغناء، وتصدير صورة سيئة عن مصر فى محيطها العربي والإقليمي، سؤال تصحبه الدهشة، ماذا حدث ؟، وأين دور المعنيين عن الثقافة والرياضة فى مصر؟!، وأين خططهم وبرامجهم لمواجهة العبث والارتقاء بالذوق العام…؟ ، أيها السادة تخلوا عن كل ضمير سئ ، ارضوا الله والوطن ولا تدعوا شمس الثقافة تغيب أبدا عن سمائنا.
