
بقلم بهجت العبيدي
حدث ذلك لي بصفة شخصية بالفعل، كان ذلك المساء مختلفًا. أو ربما لم يكن كذلك؟ لا أعلم. ما أعرفه أنني كنت أجلس مع صديق، نستغرق في حديثٍ عميق، حين تسللت إلى ذهني فكرةٌ غريبة: لقد مررت بهذه اللحظة من قبل. لم يكن الأمر مجرد إحساس مألوف، بل كان يقينًا غريبًا، كما لو أن الزمن انحنى للحظة، ليعيدني إلى مشهد رأيته من قبل، لكني لا أذكر متى أو أين.
ثم حدث ما هو أغرب… بينما كان صديقي يتحدث، أدركت أنني أعرف ما سيقوله تاليًا. لم يكن تخمينًا، ولا حدسًا. كان أشبه باسترجاع ذاكرةٍ محفوظةٍ في عمق العقل، لكنها لم تحدث بعد. مرت ثوانٍ قليلة، وجاءت الجملة تمامًا كما توقعت! توقفت، وشردت للحظة، ثم تساءلت: هل أنا عالق بين ماضٍ لم يحدث ومستقبل يتكرر؟
أزعم أن ما عشته وما شعرتُ به ليس تجربةً فردية. كثيرون منّا مرّوا بذلك الإحساس العجيب: أن تعيش موقفًا ما، ثم يتملكك شعورٌ قوي أنك مررت به من قبل، ألم تمر – قارئي الكريم بمثل هذه الحالة ولو مرة واحدة؟! – وكنت على يقين بأن هذا مستحيل إذ كيف يتكرر الحدث بكافة تفاصيله؟!. إن العلماء يسمون هذه الظاهرة “الديجافو”، وهي كلمة فرنسية تعني “شوهد من قبل”. لكنها، رغم شيوعها، لا تزال واحدةً من أعقد الألغاز التي تحيّر العقول.
فما الذي يحدث حقًا عندما نشعر بأننا نعيش اللحظة مرتين؟ هل هو خللٌ في الدماغ؟ أم نافذةٌ صغيرة تطل على بعدٍ آخر من الزمن؟
تفسير الديجافو علميًا يشير إلى أنه قد يكون مجرد خطأ في معالجة الذاكرة. هناك فرضية تقول إن العقل أحيانًا يرسل المعلومة إلى الذاكرة الطويلة بدلًا من القصيرة، ما يجعلها تبدو وكأنها “ذكرى” بدلاً من “حدث جديد”. كأن الدماغ يعالج اللحظة قبل أن يدرك أنها تحدث الآن!
تفسيرٌ آخر يرى أن الديجافو يحدث بسبب عدم التزامن العصبي، حيث يعالج الدماغ المعلومات على مسارين متوازيين، وأحيانًا يحدث خلل بسيط، يجعلنا نشعر بأننا نرى المشهد مرتين، واحدة بأجزاء من الثانية قبل الأخرى.
لكن هل هذا كل شيء؟ ماذا عن أولئك الذين، مثلما حدث معي، يشعرون أحيانًا بأنهم يعرفون الجملة التالية في الحديث، أو الحدث القادم قبل وقوعه بثوانٍ؟
هناك من يعتقد أن هذه اللحظات ليست مجرد خطأ دماغي، بل ربما تكون قدرة عقلية خفية، حيث يلتقط العقل إشارات غير واعية، مثل تعبيرات الوجه أو نبرة الصوت، فيتنبأ بما سيحدث تاليًا دون أن ندرك كيف، ولكني لا أضع نفسي ضمن هذا التفسير، فلا أظن أني أملك قدرات عقلية خفية.
ولكن هناك بعضا آخر يذهب أبعد من ذلك، ويرى أن الديجافو قد يكون لمحة عابرة من أكوانٍ موازية، حيث تتكرر حياتنا في سيناريوهات قريبة، وعندما يتقاطع وعينا مع “نسخة أخرى” منا في بعدٍ آخر، نشعر للحظات بأننا عشنا هذه اللحظة سابقًا. إنها فرضية خيالية، لكنها تفتح باب التأمل في طبيعة الزمن والواقع.
بالنسبة لي، لاحظت أن هذه اللحظات الغريبة تحدث غالبًا عندما أكون مرهقًا، أو بعد نوبة صداعٍ نصفي حادة، ذلك الذي أعاني منه منذ طفولتي وصبايا وحتى اللحظة حيث الستين من العمر. وربما هذا ليس مصادفة. بعض الأبحاث تشير إلى أن الديجافو يحدث أكثر عند الأشخاص الذين يعانون من الصداع النصفي، وربما يكون جزءًا من تغيرات كهربائية في الدماغ قبل أو بعد النوبة.
كما أن الإرهاق الشديد قد يجعل العقل أكثر عرضة للأخطاء الإدراكية، فينشأ الديجافو كنتيجة لعقلٍ مرهق يحاول استيعاب الواقع بطريقة غير مألوفة.
في النهاية، سواء كان الديجافو مجرد خلل في الدماغ، أو نافذة خاطفة إلى بعدٍ آخر، أو إشارة إلى قدرات عقلية لم نفهمها بعد، فإنه يظل واحدًا من أكثر الألغاز سحرًا في حياتنا اليومية.
ربما في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها تعرف الجملة التالية في الحديث قبل أن تُقال، أو تشعر بأنك مررت بالموقف سابقًا، تبتسم في هدوء، وتتساءل:
“هل أنا أعيش الحاضر؟ أم أستعيد ذكرى من مستقبل لم يحدث بعد؟”
