
كشفت بعثة أثرية مصرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار عن مجموعة جديدة من المكتشفات في منطقة كوم الخلجان بمحافظة الدقهلية، تسلط الضوء على التطور الحضاري والاستيطاني في شرق الدلتا، وتكشف عن تاريخ متواصل للموقع يمتد من عصور ما قبل الأسرات مرورًا بالدولة الحديثة ووصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني.
وأكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف يعكس الأهمية الأثرية الكبيرة لموقع كوم الخلجان، باعتباره أحد المواقع الواعدة في منطقة شرق الدلتا.
وأوضح أن المكتشفات تقدم سجلًا متكاملًا لتطور أنماط الاستيطان والممارسات الجنائزية، إلى جانب طبيعة علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة، منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصرين اليوناني والروماني، بما يساهم في تعزيز المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة.
وأشار الليثي إلى أن أعمال الحفائر لا تزال مستمرة في الموقع، مع توفير الدعم اللازم للبعثة لمواصلة أعمالها والكشف عن المزيد من أسرار المنطقة.
أقدم المكتشفات تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد
وقال محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، إن أقدم المكتشفات التي عثرت عليها البعثة تعود إلى حضارة مصر السفلى، المعروفة بمرحلتي بوتو الأولى وبوتو الثانية، خلال النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد.
وأوضح أن البعثة عثرت على مجموعة من المقابر ذات الحفر البيضاوية البسيطة، المحفورة داخل الطبقة الرملية، واحتوت على دفنات اتخذت أوضاعًا جنائزية متنوعة، بما يعكس اختلاف طقوس الدفن خلال تلك الحقبة المبكرة.
واتسم الأثاث الجنائزي داخل هذه المقابر بالبساطة، حيث اقتصر بشكل أساسي على أوانٍ فخارية صغيرة مصنوعة يدويًا، إلى جانب بعض أصداف المحار البحري.
وتشير كثافة الدفنات المكتشفة إلى وجود تجمع سكاني كبير في الموقع خلال تلك الفترة المبكرة.
مبانٍ سكنية وصوامع وأفران من عصور لاحقة
كما كشفت أعمال الحفائر عن منطقة سكنية ومجموعة من المقابر تعود إلى عصر الانتقال الثاني واستمر استخدامها حتى عصر الدولة الحديثة.
وتضم المنطقة بقايا مبانٍ مشيدة من الطوب اللبن، إلى جانب صوامع لتخزين الحبوب وأفران ومواقد، وهو ما يقدم صورة عن طبيعة الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية التي مارسها سكان الموقع خلال تلك الفترة.
وعثرت البعثة كذلك على مجموعة من الجدران المتعرجة التي كانت تحيط بالمباني السكنية والجنائزية، وهي من العناصر المعمارية التي انتشرت في مصر خلال الفترة الممتدة من الدولة الوسطى وحتى الدولة الحديثة.
أوانٍ وأدوات وعظام تكشف طبيعة حياة السكان
وأسفرت أعمال التنقيب عن مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، تضمنت أواني فخارية وأدوات حجرية، إلى جانب كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات.
وتوفر هذه المكتشفات معلومات مهمة حول النظام الغذائي والعادات المعيشية لسكان المنطقة خلال عصر الانتقال الثاني.
كما عثرت البعثة على عدد من المقابر التي تعود إلى الأسرات من الخامسة عشرة وحتى السابعة عشرة، بالإضافة إلى بدايات الدولة الحديثة، بما يؤكد استمرار الاستيطان في المنطقة خلال فترة الهكسوس، خاصة مع قرب الموقع من عاصمتهم «أواريس» في شرق الدلتا.
حلي وتمائم وأسلحة برونزية
وتنوعت المقابر المكتشفة بين المصاطب والمقابر ذات الكورنيش، بينما كشفت الدراسات الأولية عن اختلاف واضح في أوضاع الدفن والفئات العمرية والعادات الجنائزية.
وضمت المقابر مجموعة متنوعة من الأثاث الجنائزي، من بينها الحلي والتمائم والجعارين، إلى جانب الأدوات والأسلحة البرونزية، فضلًا عن أوانٍ فخارية وقنينات من طراز «تل اليهودية»، الذي يعد من السمات المميزة لهذه الفترة التاريخية.
مقبرة من بدايات الأسرة الثامنة عشرة
من جانبه، أوضح الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري، أن البعثة سجلت عددًا من النتائج العلمية المهمة، من بينها اكتشاف مقبرة مبنية بالطوب اللبن تعود إلى أوائل الأسرة الثامنة عشرة.
واحتوت المقبرة على مجموعة من الأواني الفخارية والأدوات البرونزية، كما كشفت الحفائر عن أساسات مبنى ذي جدران سميكة من الطوب اللبن، عُثر على أرضيته على كسرات فخارية وأدوات حجرية تؤرخ لبدايات الدولة الحديثة.
دفنة طفل داخل أمفورتين من العصر البطلمي
أما فيما يتعلق بالعصر البطلمي، فكشفت الحفائر عن عدد من حفر الدفن البسيطة، من بينها دفنة لطفل داخل أمفورتين جرى إعادة استخدامهما كوعاء للدفن.
ويعد هذا الأسلوب أحد الأساليب الجنائزية المعروفة خلال العصر البطلمي، كما يقدم دليلًا إضافيًا على استمرار استخدام موقع كوم الخلجان عبر فترات زمنية وحضارية مختلفة، ما يؤكد أهميته في دراسة تطور الاستيطان والحياة والممارسات الجنائزية في شرق الدلتا.



















