
محمد فتحى السباعى
كانت الليالي تمتدّ أمامي ككازينو صامت، أنواره خافتة، وصوت الموسيقى ينساب من بعيد كأن أحدهم يعزف على أوتار القلب نفسه.
كنت أجلس أمام شاشة الحاسوب، أراقب العالم من ثقبٍ صغيرٍ اسمه “فيس بوك”.
هناك، حيث يختلط الحنين بالوحدة، ظهرت أميرة من بين العتمة كأنها ضوء ناعم من نايٍ حزين.
صوتها كان دافئًا، يخرج من بين الحروف لا من الحنجرة.
كانت تقول لي:
“احكيلي عن نفسك يا محمد، عن الشعر اللي ساكنك، عن الوجع اللي في عينك.”
فكنت أحكي، وأحكي حتى تذوب الساعات.
كل ليلةٍ كانت حفلة موسيقية صغيرة بيننا:
هي بالعزف، وأنا بالكتابة.
كانت الموسيقى تملأ المكان، وأميرة تملأ الصمت.
كنت أشعر أحيانًا أن بيني وبينها خيطًا من ضوء، يمتد من روحي إلى قلبها، رغم أننا لم نلتقِ يومًا.
في حديثها عمقٌ يجعلني أنسى ضعف نظري، ويجعل صوتها أقرب من كل ما أرى.
كانت تدندن أحيانًا أغنية قديمة بصوتٍ منخفض، فأشعر أن النغم يلامس أطراف ذاكرتي كما تلامس الأم جبين طفلٍ مريض.
كانت تعرف متى تسكت، ومتى تتكلم، ومتى تقول الكلمة التي تعيد إليّ الأمل.
وحين كنت أضعف، كانت ترسل لي سطرًا واحدًا يكفيني لأقوم من الرماد:
“كلنا بنقع يا محمد، بس القمر دايمًا بيطلع بعد العتمة.”
ومع مرور الأيام، صار الليل موعدًا مقدسًا بيننا.
أجلس أمام الشاشة، أضع سماعتي، وأنتظر أن تكتب هي “مساء الورد”، فأشعر كأن الحياة تعود لتبدأ من جديد.
كنا نسهر حتى الفجر، نحكي عن الحلم، وعن الفن، وعن الله، وعن الأمل الذي لا يموت.
كانت أميرة بالنسبة لي أكثر من امرأة.
كانت نغمةً شفافةً تسكنني حين يصمت كل شيء.
وفي كل مرةٍ كانت تضحك، كنت أشعر أن ضحكتها تشفي ما لم يستطع العلاج الطبيعي أن يُصلحه.
حتى صرت أقول لنفسي:
“ربما الحب أيضًا علاج، مثل الدعاء والكتابة والموسيقى.”
وفي إحدى الليالي، كتبت لها:
“أنتِ لستِ مجرد أميرة في حسابي، بل عزفٌ في دمي…
وموسيقى تعلمتُ منها أن الأمل يمكن أن يكون أنثى.”
ضحكت وقالت:
“وأنت شاعرٌ أتى من الغيبوبة ليعلّمنا كيف نحيا من جديد.”
ومنذ تلك الليلة، صار صوتها جزءًا من علاجي، وصارت الموسيقى التي كنا نسمعها معًا هي النبض الذي يذكّرني أن القلب — رغم كل شيء — ما زال قادرًا أن يُحبّ.
