
حلت ذكرى ميلاد الفنان الراحل جميل راتب، أحد أبرز نجوم السينما والمسرح المصري، الذي ترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور العربي على مدار مسيرة فنية حافلة، قدم خلالها عشرات الأعمال في مصر وفرنسا، إلى جانب مشاركته في عدد من الإنتاجات العالمية.
ورغم المكانة الكبيرة التي وصل إليها، لم تكن رحلة جميل راتب مع الفن سهلة في بدايتها، إذ واجه رفضًا من عائلته التي حاولت إبعاده عن مجال التمثيل، لكنه تمسك بحلمه، وخاض رحلة طويلة مليئة بالتحديات انتهت بأن أصبح واحدًا من أبرز الفنانين في جيله.
رفض عائلي بسبب التمثيل
بدأ جميل راتب خطواته الأولى في عالم الفن داخل مصر، وشارك في فيلم «العرسان الثلاثة»، إلا أن ظهورَه في العمل تسبب في اعتراض عائلته، التي طالبت بحذف مشاهده ومنعته من المشاركة في أعمال فنية جديدة.
وفي حوار نادر له نشر عام 1988، كشف راتب تفاصيل تلك المرحلة، موضحًا أن موقف أسرته دفعه إلى التفكير في مغادرة مصر، خاصة بعدما شعر بأن فرصه في العمل الفني أصبحت محدودة.
وبالفعل، سافر إلى فرنسا، حيث التحق بالجامعة لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، لكنه لم يتخل عن شغفه بالتمثيل، فالتحق بالتوازي بمعهد للتمثيل.
عمل في مهن عديدة لتحقيق حلمه
خلال سنوات الدراسة، أسس جميل راتب مع عدد من زملائه فرقة مسرحية، لكن دخلها لم يكن كافيًا لتغطية نفقاته، ما دفعه إلى العمل في مهن مختلفة من أجل الاستمرار في دراسته الفنية.
وكشف الفنان الراحل أنه عمل كومبارس وشيالًا في سوق الخضار، كما عمل في بعض المطاعم ومجال الترجمة، مؤكدًا أنه مارس العديد من المهن خلال سنوات دراسته بمعهد التمثيل.
وبعد انتهاء دراسته، بدأت رحلته الفنية في فرنسا، حيث قضى نحو 30 عامًا شارك خلالها في عشرات المسرحيات المستوحاة من التراث العالمي، إلى جانب ظهوره في السينما والتلفزيون.
«لورانس العرب» ومحطات عالمية
لم تقتصر تجربة جميل راتب على الأعمال الفرنسية، إذ شارك في عدد من الأفلام العالمية، من بينها فيلم «السيرك»، الذي جمعه بنجوم عالميين مثل بيرت لانكستر وتوني كيرتس وجينا لولو بريجيدا.
كما شارك في الفيلم الشهير «لورانس العرب» إلى جانب الفنان المصري العالمي عمر الشريف، ليصبح واحدًا من الفنانين المصريين الذين تمكنوا من ترك حضور في السينما العالمية.
العودة إلى مصر
رغم إقامته الطويلة في فرنسا، ظل جميل راتب مرتبطًا بمصر، وكان يزورها على فترات.
وفي عام 1951، عاد إلى مصر ضمن فرقة الكوميدي فرانسيز التي قدمت عروضًا في عدد من الدول، من بينها مصر وسوريا وتركيا وإيطاليا.
وخلال وجوده في القاهرة، اهتمت الصحافة المصرية بمشاركته مع الفرقة الفرنسية، وهو ما ساهم في إعادة فتح الباب أمامه للعودة إلى السينما المصرية.
وشارك راتب في فيلم «أنا الشرق» أمام الممثلة الفرنسية كلود جودار، إلا أن العمل لم يحقق النجاح المنتظر، فعاد بعد ذلك إلى باريس لاستكمال مسيرته المسرحية.
أعمال مصرية بارزة
لم تنقطع علاقة جميل راتب بالوسط الفني المصري، إذ ظل يشارك في أعمال مختلفة كلما سنحت له الفرصة.
ومن أبرز تجاربه تقديم سهرة درامية للتلفزيون بناءً على طلب صديقه سعد أردش، واختار الفنانة سناء جميل لمشاركته البطولة، بينما كتب العمل الكاتب ألفريد فرج، وحملت السهرة اسم «الزيارة».
وفي عام 1975، اضطر راتب إلى البقاء في مصر لعدة أشهر لإنهاء بعض الإجراءات العائلية، وخلال تلك الفترة شارك في مسرحية «البيانولا» مع محرم فؤاد وعفاف راضي.
مسيرة فنية امتدت لعقود
ولد جميل راتب في القاهرة، وبدأ مشواره الفني في أربعينيات القرن الماضي، متنقلًا بين السينما والمسرح والتلفزيون، قبل أن يخوض تجربة طويلة في فرنسا.
وشارك خلال مسيرته في نحو 67 فيلمًا، إلى جانب العديد من المسلسلات والمسرحيات، كما قدم أعمالًا باللغتين الإنجليزية والفرنسية.
ويعد فيلم «الصعود إلى الهاوية» من أبرز المحطات في مسيرته بالسينما المصرية، حيث شكل نقطة تحول مهمة في مشواره الفني.
وبالرغم من شيوع الاعتقاد بأن انطلاقته الفنية الحقيقية كانت في فرنسا، فإن سجلات السينما المصرية تشير إلى مشاركته في فيلم «أنا الشرق» عام 1946، قبل انتقاله إلى فرنسا ومواصلة رحلته الفنية هناك.
وحصل جميل راتب خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات، وظل حاضرًا في المشهد الفني لسنوات طويلة، حتى رحل في سبتمبر 2018، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا مميزًا جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة السينما والمسرح المصري.








