
مع كل صيف تتجدد المعاناة ذاتها. الحر يشتد والمراوح لا تهدأ. وفواتير الكهرباء تقفز إلى أرقام تربك حسابات البيوت. وفي هذا التوقيت بالذات جاء قرار زيادة أسعار الكهرباء ليزيد من حرارة الجو ويلهب جيوب المواطنين. تأتي هذه المرة في ظل التزامات جديدة مع صندوق النقد الدولي في ظل واقع معيشي لم يعد يحتمل مزيداٌ من الأعباء.
- بين وعود الحكومة وحسبة المواطن تتسع الفجوة
بين تبرير حكومي يتحدث عن ضبط الدعم وترشيد الإستهلاك وبين مواطن يحسبها بالورقة والقلم ويجد أن راتبه لم يعد يكفي تتسع الفجوة. فهل نحن أمام زيادة ضرورية لإنقاذ قطاع الطاقة؟ أم أمام إختبار جديد لقدرة الناس على التحمل؟
يأتى الحديث عن هذه الزيادة التي تقترب من إثني عشر بالمائة في عز موجة الحر التي لا ترحم ليزيد من خنقة البيوت. في توقيت يعرف الجميع فيه أن المراوح لا تتوقف وأن التكييفات صارت ضرورة لا رفاهية.
الرواية الرسمية المعتادة تتكرر. إعادة هيكلة للدعم. وترشيد للإستهلاك ومواجهة لتكاليف إنتاج مرتفعة. ويقال إن الحكومة حريصة على محدودي الدخل وأنها لن تمس الشرائح الأولى. لكن الواقع يقول شيئاٌ آخر. فأي بيت في الصيف يستطيع أن يبقى داخل الشريحة الأولى؟ التلاجة تعمل طوال اليوم. والمروحة لا تهدأ. والأطفال في البيت لا ينامون بلا هواء. إن تثبت سعر شريحة لا يصلها أحد هو أمر لا يغير من الواقع شيئاٌ.
- صندوق النقد الدولي وعلاقته بزيادة الكهرباء
ما يزيد الأمر وجعاٌ أن هذه الزيادة تأتي ضمن شروط واضحة يمليها صندوق النقد الدولي مقابل الحصول على دفعة جديدة من القرض. الحكومة مضطرة أن تثبت للمقرضين أنها جادة في تقليص الدعم ورفع أسعار الطاقة تدريجياٌ حتى تصل إلى التكلفة الحقيقية. وهكذا يتحول المواطن إلى البند الأساسي في خطة الإصلاح. هو الذي يدفع. وهو الذي يتحمل. وهو الذي يطلب منه أن يتفهم الظروف العالمية والحروب وأسعار الغاز.
وتأتي البيانات الصحفية بنفس الصيغة التي صارت تثير غضباٌ أكبر من الزيادة نفسها. نتحدث عن التكلفة التي نتحملها من أجلكم. وعن الحرص على إستمرار التيار. وعن توجيه الدعم للأكثر إحتياجاٌ. وكأن المواطن عبء يجب أن تشكره الدولة على أنها سمحت له بالعيش. يسأل الناس سؤالاٌ مباشراٌ. إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير خدمة أساسية إلا برفع سعرها كل بضعة أشهر فما الداعي لوجودها؟ ولماذا ندفع نحن بمفردنا ثمن التزامات مالية لا يد لنا فيها؟
- الغضب هادئ لكنه عميق إستسلام ممزوج بمرارة
الغضب هذه المرة هادئ لكنه عميق. لم يعد صراخاٌ فقط صار إستسلاماٌ ممزوجاٌ بمرارة. موظف يتقاضى راتباٌ لم يتحرك منذ سنوات يفتح الفاتورة فيجدها أضعاف ما دفع في العام الماضي. ربة بيت تحسبها بالورقة والقلم فتجد أن الطعام والمواصلات والدواء والكهرباء صاروا أكبر من الدخل. شاب يقول إنه لم يعد يحلم بشيء سوى أن يكمل الشهر دون أن يستدين. كل هؤلاء يسمعون عن أرقام ونسب ونمو وتحسن في المؤشرات لكنهم لا يرون شيئاٌ من ذلك في بيوتهم.
الناس سئمت من حكاية الشريحة الأولى. وسئمت من طريقة المحاسبة التي تقفز بهم إلى أسعار أعلى بمجرد أن يستهلكوا أكثر بقليل. وسئمت من العدادات التي تفرغ الرصيد بسرعة ومن الفواتير التي تأتي بتقديرات جزافية. وسئمت من أن يطلب منها الترشيد في عز الحر. كأن المطلوب أن ننام في الظلام حتى نرضي الموازنة العامة.
- حين تتحول الإصلاحات إلى عقاب جماعي
الشارع يرى الأمر بوضوح. هذه ليست زيادة عادية. هذه سياسة أرض محروقة تترك المواطن وحده في مواجهة كل الأزمات. المواطن يدفع ثمن القرض، ويدفع ثمن الحرب في الخارج. ويدفع ثمن الإستيراد ويدفع ثمن كل شيء. وفي المقابل لا يجد إلا وعوداٌ بأن الأوضاع ستتحسن يوماٌ ما.
وأصبح الترقب والخوف هو السمة السائدة لكل مواطن. الخوف من فاتورة الشهر القادم. والخوف من أن يكون هذا هو آخر ما يستطيع الناس تحمله. فالدخل لا يواكب الأسعار. والأسعار لا تتوقف عن الصعود. والحياة صارت معادلة مستحيلة.
في النهاية: المواطن لم يعد يطلب الكثير. يطلب فقط أن يعيش بكرامة وأن يدفع مقابل خدمة دون أن يشعر أنه عبء. يطلب حكومة تفكر فيه قبل أن تفكر في الأرقام. فإذا كان لابد من زيادة فليكن هناك ما يوازيها من رحمة وتفهم. فالناس تعبت. ولم يعد في البيوت متسع لمزيد من الصدمات.
ويبقى السؤال معلقاٌ: إلى متى سيظل المواطن هو الحلقة الأضعف في أي إتفاق؟ وإلى متى سنظل نختار بين الحر وبين الجوع؟
