
بقلم: دكتور / جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
يعد الصراع العربى الإسرائيلى من أطول الصراعات فى التاريخ وأكثرها تعقيداً على الإطلاق كما إنه صراع “عقائدى” أو بمعنى أدق قد تم تديينه من قبل الحركة الصهيونية وذلك ما يحرص عليه “نتنياهو” دائماً لتبرير ما يقوم به من “إبادة جماعية” فى غزة والتعلل بأنه صراع يعود إلى 3500 سنة على حد تعبيره.. بيد أن الحقيقة هى إن عمره 3700 سنة حينما وقعت أول مذبحة فى التاريخ بحق الفلسطينيين من جانب ولدى سيدنا يعقوب “شمعون” و”لاوى” عندما خدعوا رجال “مدينة شكيم” واشترطا عليهم أن يختتنوا لإتمام زواج “شكيم بن حمور” رئيس المدينة من أختهم “دينا” وبينما هم متوجعون قاما بقتلهم جميعاً حتى النساء والأطفال والعجائز وحرقوا المدينة بالنار.. تلك هى بداية ذلك الصراع وتلك هى الواقعة التى لايألو “نتنياهو” ذكرها فى محاولة لتبرئة وشرعنة ما يقومون به من جرائم الأمر الذى نهرهم عليه أبيهم “يعقوب” قائلاً لهما “كدرتمانى بتكريهكما إياى عند سكان الأرض “الكنعانيين” و”الفرزيين”وأنا نفر قليل فيجتمعون على ويضربوننى فأبيد أنا وبيتى (تكوين30:34 ).. منذ ذلك التاريخ أعتاد اليمين المتطرف على التمسك بتلك “السردية” لشرعنة الصراع من جهة وتبرير ذلك العنف المجنون الذى يمارسه فى حق الشعب الفلسطينى وتلك المذابح تلك التى يقومون بها فى “غزة” اليوم على مرأى ومسمع من العالم.. فى مقال “إيزابيلا جينيور” فى “جريدة الجارديان” منذ 25 عاماً بعنوان.
” كيف كادت حرب الأيام الستة أن تؤدى إلى حرب”هرمجدون” صرحت قائلة كان صباح يوم 10 يوليو 1967 مليئاً بالقلق الشديد والخطورة القصوى فى غرفة العمليات بالبيت الأبيض وفقاً “للوييلين طومسون” سفير الإتحاد السوفيتى الذى أصبح مستشاراً رئاسياً فيما بعد.. وإستطردت “جينيور” قائلة قد وردت للتو رسالة عبر الخط الساكن بين “موسكو” و”واشنطن” تهدد بعمل عسكرى سوفيتى من شأنه أن يؤدى إلى مواجهة نووية حيث كشفت أدلة جديدة عن الإجراء الذى يعد له السوفيت وهو إنزال بحرى على شواطئ إسرائيل لمنع إنتصارها الكامل فى حرب الأيام الستة.. وصرحت “جنيور” بأن “كوسيجين” أكد على أن كل من الجانب السوفيتى والأمريكى أراد إظهار دوره المهيمن فقد أرسلت الولايات المتحدة الأسطول السادس وأحضرنا سربنا فى البحر المتوسط للهبوط فى إسرائيل وتحركت الدبابات الإسرائيلية عبر سيناء وإستعدت للقفز فوق قناة السويس وتم إنزال قواتنا وبدأت “الحرب العالمية الثالثة” وكنا نعلم ما ستحدثه من دمار للعالم.. فى مقال “ديفيد أرييل” بعنوان العصر المسيانى فى اليهودية” صرح قائلاً تكهن “الحاخامات” بالظروف التى يحتمل أن يظهر فيها المسيح وأنه لن يصل يوم السبت لأن ذلك سيتطلب انتهاك “السبت” من أجل الترحيب به وفقاً “للتلمود البابلى” بيساحيم13 أ) ويعتقد العديد من “الحاخامات “أن المسيح سيصل فجأة عشية “عيد الفصح” اليهودى.. ويؤكد “أرييل” على مايعرف بنبوءة “زوهار” لحرب الأيام الستة يوم إستعادة “القدس” الذى يتصادف مع يوم” اللطف فى الملكوت” الذى يعد الحطوة الأولى من “أسبوع الملكوت” وأن تحرير القدس فى1967 كان الخطوة الأولى نحو إعادة تأسيس “الملكوت النهائى” “مملكة الله” على الأرض وإستعادة “مملكة داود” فى إسرائيل.. ويؤكد “أرييل” على أن “الملك داود “هو أول من أسس القدس كعاصمة أبدية لإسرائيل وأن يوم القدس وحرب الأيام الستة كانت بمثابة عرضاً واضحاً للطف الله والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن “الزوهار” قد تنبأ بهذا اليوم بدقة قبل قرون عديدة.. على الجانب الآخر يؤكد الحاخام “موشيه فريدمان” فى مقاله بعنوان “لا علاقة لإسرائيل بالتوراة وعلى العالم إنقاذ غزة بالقوة “صرح قائلاً أن ماتفعله إسرائيل والولايات المتحدة ضد الفلسطينيين فى “قطاع غزة” يمثل عملية “إبادة جماعية” غير مسبوقة مشدداً على ضرورة قيام الدول القادرة على إيقاف تلك المجازر بالقوة.. وأكد “فريدمان” على أن واجبه الدينى والإنسانى يملى عليه بل ويحتم رفع صوته والقيام بشيء ما لوقف ما يحدث لأن التاريخ سيدين كل من التزم الصمت فى وجه حمام الدم المتدفق فى “غزة”.. فى مقال بصحيفة “نيويورك تايمز” بعنوان إسرائيل تقول لليهود الأمريكيين أنتم ببساطة لا تهمون” صرح قائلاً أن “بنيامين نتنياهو” قد رضخ لأهواء الأرثوذكس وقال للشتات من يحتاجكم فبدأت أنا وزوجتى البحث عن جذورنا وتقابلنا مصادفة الحاخام “جوزيف ميلاميد” الذى قال أنه إكتشف العديد من القطع الأثرية اليهودية فى منازل الكاثوليك الذين أقروا بأنها موجودة عتدهم منذ سنوات.. فى مقال “نوآف نير” بعنوان “هل نتنياهو من نسل الملك داود؟” صرح قائلاً بافتراض أن “الملك داود “كان شخصية تاريخية حقيقية عاش قبل ثلاثة آلاف عام أى أكثر من مئة جيل فهل كان “نتنياهو” سلفه بالطبع ذلك يعد أمر سخيف إذ أن عدد الأشخاص الذين عاشوا فى ذلك الوقت كثير جداً أى حوالى عدة “كوينتيليون” أى واحد أمامه 30 صفر فكيف يكون ذلك.. يؤكد “ويليام دولمان” فى مقاله بعنوان” النبوءات المسيانية كيف يمكن التعرف عليها” مستشهداً بعدة نبوءات فى “سفر أشعياء” ومنها أن إسرائيل سيقضى بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل ولا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد.. يعتقد اليهود بعودة “المسيح” خلال “العصر المسيانى” وأنه سيحكم ويعيد بناء الهيكل وإسىتئناف طقوس العبادة التقليدية وتقديم الذبائح والعودة إلى العصر “الذهبى اليهودى”.. هذه كلها لا تعدو أن تكون سوى مجرد تفسيرات خاطئة والتفاف على النص وتطويعه لما يخدم مصالحهم السياسية والكثير منهم يعلمون أن “المسيا” “المسيح” الذى كانوا ينتظرونه قد جاء بالفعل منذ ألفى عام ووقف فى “الهيكل” وفتح سفر “أشعياء” وتلى عليهم تلك النبوءة التى مازلوا يتمسكون بها حتى الأن وقال لهم أن هذا المكتوب قد تم فى مسامعكم الآن.. فى مقال “هانا شابيرو” بعنوان “الإيمان فى 2023 من خلال نور 1967” صرح قائلاً واجه اليهود فى السابع من أكتوبر فى جميع أنحاء العالم وخاصة إسرائيل عشرات الأسئلة الدينية والأخلاقية التى غالباً ما تطرح فى أوقات الحرب حول الإيمان وظهور يد الله والمعايير المزدوجة لوسائل الأعلام وذلك التوتر بين توقع “العصر. المسيانى” وخطر”المسيحية الزائفة” نتيجة الصراع الحالى الذى اجتاح إسرائيل ودمرها.. لقد كان طوفان الأقصى بمثابة ضربة قاصمة لأحلام “اليمين المتطرف” الذى يصر على لى عنق الحقائق من خلال تلك التفسيرات التى تبرر أهدافه الاستعمارية التوسعيىة وتطويع “النص التوراتى” لإضافة مسحة دينية وتحويل الصراع من صراع استعمارى إلى حرب دينية مقدسة.
