
بقلم :شحاته زكريا
يعود الملف الإيراني‑الأمريكي اليوم إلى واجهة المشهد الدولي ليس كأزمة إقليمية محصورة بل كاختبار حقيقي لتوازن القوى العالمي وقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات دون الانزلاق نحو الهاوية. العلاقات بين واشنطن وطهران مثقلة بأربعين عاما من عدم الثقة والخصومة البنيوية منذ سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية حيث ترى الولايات المتحدة في إيران قوة متمردة على نظام الهيمنة الذي تقوده ، بينما تعتبر إيران أن أمريكا رمز للتدخل الخارجي يسعى لتطويقها وكسر استقلال قرارها. الخلاف لم يعد مجرد نزاع حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية بل أصبح صراعا على النفوذ وتعريف الأمن وصياغة خرائط القوة في المنطقة. وعلى الرغم من أن البرنامج النووي الإيراني يشكل العنوان الأبرز في الإعلام والبيانات الرسمية إلا أنه مجرد رأس جبل الجليد خلفه ملفات أكثر تعقيدًا تشمل الدور الإقليمي لإيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن وتحالفاتها مع قوى غير دولية وقلق حلفاء واشنطن من تمدد نفوذها. الولايات المتحدة ترى أن المشكلة ليست فيما تملكه إيران فقط بل فيما يمكن أن تفعله هذا الامتلاك سياسيا وعسكريا بينما تعتبر إيران أن القدرات الصاروخية والدفاعية جزء لا يتجزأ من سيادتها ولن تتنازل عنها ما يجعل النووي أداة تفاوضية أكثر من كونه جوهر الأزمة. وعادت واشنطن في الفترة الأخيرة إلى لغة الضغط الأقصى بصيغ جديدة تشمل العقوبات الاقتصادية والتلميحات العسكرية والتحشيد في المنطقة ، وهذه السياسة رغم نتائجها التكتيكية المحدودة لم تحقق الهدف الاستراتيجي الأكبر المتمثل في تغيير سلوك إيران جذريا أو إدخالها في منظومة النفوذ الأمريكي بشروط واشنطن فيما يدفع هذا الضغط طهران إلى مزيد من التشدد وتسريع خطواتها في الملفات الحساسة باعتبارها ورقة ردع لا مجرد استفزاز. إيران من جهتها تقول إنها مستعدة للتفاوض لكنها ترفض أي حوار تحت التهديد، مؤكدة أن أي اتفاق لا يضمن رفعا حقيقيا للعقوبات ولا يقدم ضمانات بعدم الانقلاب عليه مستقبلاً هو اتفاق بلا قيمة وخبرة السنوات السابقة حين انهارت تفاهمات سابقة بتغير المزاج السياسي في واشنطن جعلت صانع القرار الإيراني أكثر حذرا وتشكيكا في الرهان على الغرب. وما يزيد من خطورة الملف أن أي تصعيد أمريكي‑إيراني لن يبقى محصورا بين عاصمتين بل سيتسرب فورا إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان وربما إلى أسواق الطاقة العالمية مما يجعل التوتر الإقليمي مترابطا مع الاقتصاد العالمي حيث تتحرك أسعار النفط لأدنى تلميح عن تهدئة أو تصعيد وهذا يكشف أن الصراع لم يعد سياسيا أو عسكريا فقط بل صار جزءًا من معادلة الاقتصاد الدولي. المشهد اليوم لا يوحي بحرب وشيكة ولا باتفاق قريب مضمون بل نحن في منطقة رمادية حيث تستخدم لغة التهديد لتحسين شروط التفاوض وتستخدم لغة التفاوض لتأجيل لحظة الصدام والخطر الحقيقي يكمن في سوء التقدير الذي قد يحول ضربة محسوبة إلى سلسلة ردود فعل غير محسوبة أو حادث محدود يشعل حريقا واسعا. العالم يبحث اليوم عن إدارة مستقرة للأزمة لا عن انتصار لطرف وهزيمة لآخر فالاستقرار هنا يعني ألا تنفجر المنطقة وألا يهتز الاقتصاد العالمي وألا تفتح جبهة جديدة في عالم مثقل بالأزمات. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن فعلا احتواء هذا الصراع الطويل دون معالجة جذوره أم أننا نؤجل الانفجار فقط ونتراكم على أسباب جديدة بصمت؟ الملف الإيراني‑الأمريكي اليوم ليس مجرد أزمة بين دولتين بل مرآة لنظام دولي يعاني من حالة إنهاك واضحة يحاول إدارة الأزمات بدل حلها يؤجل الصدام بدل إزالة أسبابه ويستبدل الرؤى الطويلة المدى بتكتيكات قصيرة النفس. وإما أن ينجح هذا النظام في تحويل الصراع إلى مسار تفاوضي مستقر ولو هش، وإما أن يثبت مرة أخرى أن العالم لم يتعلم بعد كيف يخرج من دوامة القوة إلى منطق السياسة وفي الحالتين يبقى الشرق الأوسط المكان الذي تُختبر فيه أعصاب الكبار وتدفع فيه فواتير القرارات التي تتخذ في غرف بعيدة عن صوت الشعوب وضجيج الواقع. إن قراءة هذا الملف تكشف أكثر من أي وقت مضى أن الصراع ليس مسألة مصالح مباشرة فقط بل مسألة إدراك وإدارة للتوازنات الدولية المعقدة وأن أي خطوة محسوبة يجب أن تراعي تداعياتها على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية لأنه حين يتعلق الأمر بإيران وأمريكا فإن كل تفصيل صغير يمكن أن يتحول إلى حدث عظيم وكل تأجيل أو تجاهل يمكن أن يكون فاتورة باهظة، وهكذا يظل العالم بين شبح الحرب ووهم الاتفاق يراقب ويحاول أن يوازن بين قوة الطرفين وحاجة المنطقة إلى الاستقرار وهو درس دائم على أن السياسة الدولية ليست مجرد معادلات بل فن التنبؤ بالمستقبل في أفق مليء بالغموض والتحديات.







