
محمد فيض خالد
اتفقنا سويا على تأجيِل موعد الزفاف لخمس أشهر، طلبت مهلة، تنقصنا بعض الكماليات ، ومن الأليق تجهيزها ،وافقت على مَضضٍ، جاء حديثها الأخير على استحياء ، لكنه حياء بنات الريف المستحب ، في حديثها القصير اشعر وكأنني نُقلِت فجأة للفردوس، خمس دقائق كافية للسلام ، وسماع صوتها الذي يشبه وشوشة الأمل ، تمت خطبتنا بعد عام ٍونصف من سفري، أتذكر حديثنا الأول ، على الرغم من قرابتنا لكني اشعر بالحَرجِ ،فمحادثة الإناث عقدة تلازم الريفي ، يعتبرها العوام انفلات لا يقبله العرف الصارم ، لحظتها لم يخرج صوتي ، قاومت لثوانٍ ريقي المُتحِّجر ، جففت بلل يدي أكثر من مرة ،اشعر بأنفاس الانتظار ، بدت على الطرف الآخر تعاني ما اعانيه ،لم يتحول حديثنا للتسلية ، بل هو الشغف؛ الذي وجدت فيه الأمل ، وملجأ لأوجاعي.
بمرور الأيام توثَّقت الرابطة ؛ ينشرح صدري كلمَّا أوغلنا ، بدأت اشعر بأحاسيسٍ جميلة تتمدَّد فيَّ، وكأنَّ هذه العواطف تحتل قلبي وتسلبه إراداته ، إنَّها أعراض الحب في أرقى معانيها ،لم يمض الأجل المُتَّفق عليه ،وجدتني وقد اضطرب كلَّ شيٍء وتراقص أُنسا من حولي ،إنه خيط الأمل الوحيد الذي يصلنا بالحياة ،فجأة قررَّت السفر، تساءلت وأنا أتناول التذكرة من موظفِ السفريات في تَوجسٍ:” هل تغيَّرت الدنيا كما يقول الناس ، فالغياب خراب دائم في القلوب ، لا يهمني ما دامت هي معي” ،دون مقدمات انفجرَ بوجداني انفعالٌ صاخب ،اشعر بثقلِ الأيام ، تمر الدقائق كدهر، يظهر الأفق يترنح ثملا تحت ضوء النهار الوليد المنبعث في فتوة ، نهار شتوي شديد البرودة ، أيام قلائل تفصلنا عن نهاية العام ، لم احفل بشيء من حولي ، اعددت حقيبتي ،تأكدت من وزنها ،مررّت يدي في ابتهاجٍ فوقَ بدلة العُرس ، داخلتني نشوة لذيذة ، انقلب قلبي أمام ريح رخية ، تحمل عبقا شهيا لم أحسه من قبل ، في العمل انهيت إجراءات الإجازة ، وقَّع المدير في ترَددٍ ، طَالبني في صَرامةٍ بضرورةِ التَّواصل ، فقد يحتاجني لبعض المهام ،دفع لي الورقة وقد ارتسمت ابتسامة شاحبة فوق وجهه الأسمر، قائلا في تثَاقلٍ:” بالرفاه والبنين ” ،انفتحت بداخلي مجاري السعادة ، حين احاطني الزملاء ، تهتف حناجرهم بالتهنئة ، برز صديقي ” كمال” ، تتعلق ابتسامة حلوة على شفتيِه :” على موعدنا ، قبل الحادية ننطلق للمطار” ، في انتظار اقلاع الطائرة اشتبكت في رأسي الخيالات ، أحاول الضغط على أعصابي حتى تهدأ ،من حولي امتلأت المقاعد بالمغادرين ، فَاضَ المكان بأحاديثهم السَّاذجة ،لحظتها استعجلت الإقلاع ،امضيت ما تَبقَّى من الدقائقِ عصبي الخواطر ، شاغبت في رأسي أسئلة كثيرة ، عن أولِ كلمٍة انطقها في حضرتها ، جعلت اتخيَّر أنسب العبارات ،أخرجت صورتها ، طاَلعتني تبتسم في عَفويٍة ، تحركت شفتاي في صمت بعبارات الاشتياق ، في الطائرة أسندت رأسي في غفوة ، انتبهت على صوت المضيفة ؛ تطالبني بإحكامِ رَبط حزام الأمان؛ لقد وصلنا ،خارج الطائرة ، لفحتني برودة الفجر القارس ، تَلاحقَ الركاب في سباقٍ مزعج داخل صالة الوصول ،نشطت يد موظف الجوازات لختم الوثائق ، عند البوابة الخارجية قفزت دمعة ساخنة من عيني لم أجد لها تفسير ، في همٍة دفعت العربة أمامي ،عن بُعٍد صَدحت الحناجر بنشيدٍ مُوحَّد ، تُرحِّب بالقادمين ،جَمعٌ هائل من المستقبلين شِيبا وشُبابنا ، من خلف حاجزٍ حديدي متهالك أشرف عليه رجل عظيم الهيكل ، دقيقة والتحمت الأيدي مسلمة ، تشابكت العيون في اشتياق ، لأول مرة اشعر بقسوة الغياب وسطوة الغربة ، طالعت الوجوه من حولي التي رسمت الأيام عليها بوحشية حفرها الغائرة ،أخاديد من الأسى ، نعم أعرف الجميع ، حاولت ابتلاع المفاجأة ،انخرطت في عناقٍ حَار ،ارتجَّ لساني ، اكتفيت بابتسامةٍ لطيفة أرد بها السلام ، بالسيارة تبارى القوم في حديثٍ متشعب ، الزراعة ، الغلاء ،الطرق الجديد ، أحاديث فكهة ، انجذبت نحوها في تَسليةٍ ، اطوف في خيالٍ مرح ، انتزع نفسي من غربتي انتزاعا ، بدأت بالسؤال عن أحوالِ الأهل ، فلان وعلان ، وعلى فَتراتٍ اتحسَّس في وهٍن أثر المعاول الممتدة ،ارمم الثقوب التي احدثتها بجدارِ العمر ،أيامي التي تهدمت ، سنواتي التي تحولت لركام ، نجحت في أن اتخفَّف من مذاق العذاب ،اصطدمت عيني بالحقولِ الممتدة بلا نهاية بالخضار ، على الُبعد ، بدت قريتنا نائمة في وهنٍ ، تتأرجّح أشباح البيوت في استسلامٍ تحت خيوط الضَّبابِ العنيد ،على رأسِ الدَّرب، استقبلني الوالد ، وقد انهملت عيناه بدمع ضاحك ،طوقَّني بذراعيهِ ، استسلمت لهما في حنوٍ، جعلَ يشمني كرضيعٍ صغير ،احتضنتني أمي في عناقٍ طويل ، انهالت على خدي بسيل من قبلاتها ،ومن بعدها اجتمع الجيران في تهَللٍ ، زحفت بداخلي مشاعر حلوة ، قفز قلبي على إثرها كعصفور ، ساعات قضيتها في رِحابِ الأهل قبل أن اقصد بيتها في تَشوقٍ ، ما إن رأتني أمامها حتى بَرقَ وجهها ، طافت ابتسامة حلوة تسبح فوق شفتيها ، تَمسَّكت في استماتٍة بما تَبقّى من وقاري ، أقاوم صرخة تكاد تنفلت مني ، نظرت على استحياء وهي تشد عينيها بعيدا عني ، قائلة :” حمد الله عسلامة ” ، شعرت وكأنَّها تضمني بعينين مرحتين ،ألقيت إليها بنظرة حنان ، كرشوةٍ أرشوها بها ، بعد يومين بالتمام اجتمعَ الشمل ، أخيرا ضمدت جراحي الغائرة ، هدأت نفسي واطمأنت خواطري ، استسلمت لهذه السعادة لأتناسى مذاق الفراق المر، اشعر وكأنما أخذت جرعة جديدة من الحياة ،سكنت سحابة الحيرة ، مرت الإجازة سريعا ، وهكذا الأوقات الحلوة ، اقترب موعد الرحيل ، في إحدى الأماسي ، قلت لها بابتسامةٍ مُجهدة ،انفث كلماتي في ضيق :” السفر بعد أسبوع ” ، بحلقت فيَّ بوجٍه مَصعوق ، أحاطت بها الدهشة ، لتقول وعي تشهق في ضجر:” كتب الله لك السلامة ” ،ثم اغرورقت عيناها بالدموع ،على الفور قفزت دمعة من عيني ،جعلت أقاوم مرارة في صدري، وفي كل يوم يشتد بي الفزع ، يحيطني طوفان جارف لا يتوقف ، بدت نظراتها متوسلة ، وكأنَها في مأتمٍ جاءت ساعة الوداع ، شعرت وأنا أخرج من البيت بروحي تنسل من بين جنبيَّ ،ارتعشت عينا أمي أمام عيني ، وهي تَدَّعي الهدوء ، قالت في غمٍّ :” صحبتك السلامة ” ،اشتعلت النار في رأسي من جديد ،سقطت دمعتان صامتتان من جفني ،وفي الطريق للمطار زَحفَ الضيق لصدري كثعباٍن مُخيف ، طريق غير منته آخره آلام لا تنتهي ،تلفه الزوابع ، اشعر باختناق ،اشد أنفاسي من جُبٍّ عميق ،تتصاعد أبخرة الغيظ أمامي ،لا شيء يملأ الفراغ الممدد كجثة ، حاولت أكثر من مرة الوقوف في وجه العاصفة ، لكني هزمت ، فالحياة وظروفها القاسية لا يرحمان .
وصلت أخيرا ، ألقيت بنفسي عن عَمدٍ في أحضان العمل ، كآلةٍ لا تحس، تجاهلت عذاباتي ،المرار المنسكب في حَلقي ، وضعت كلَّ شيٍء في دولاب الذكريات ، حتى يأذن الله.
