
بقلم المستشار الدكتور: أحمد فريد
تُعد النيابة العامة وفقاً للنظام القضائي المصري الأمينة على الدعوى الجنائية، فهي التي تمثل المجتمع وتسعى لتحقيق العدالة الجنائية من خلال مباشرة اختصاصاتها المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، وقد نصت العديد من مواده على أن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها، وهو ما أكدته محكمة النقض في أحكامها بقولها إن النيابة العامة هي الممثلة للمجتمع، وهي المختصة دون غيرها باتخاذ الإجراءات التي تكفل تقديم المتهمين إلى العدالة طبقًا لأحكام القانون.
أولاً: دور النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية
نص قانون الإجراءات الجنائية في مادته الأولى على أنه “تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها”، وهو ما يعني أن المشرع جعل تحريك الدعوى الجنائية اختصاصاً أصيلاً لها، سواء كان ذلك بناءً على ما تجريه من تحريات أو ما يرد إليها من محاضر جمع الاستدلالات أو الشكاوى من الأفراد أو الجهات الإدارية، كما منحها المشرع سلطة التصرف في هذه المحاضر والشكاوى، إما بحفظها لعدم الأهمية أو لانعدام الجريمة، أو بإحالتها للمحكمة المختصة بعد اتخاذ إجراءات التحقيق اللازمة، وقد أيدت محكمة النقض هذا المبدأ مؤكدة أن النيابة العامة صاحبة الحق في تحريك الدعوى الجنائية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك بنص صريح.
ثانياً: صلاحيات النيابة العامة في إطار الدعوى الجنائية
استناداً إلى نصوص المواد 61 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية، تتمتع النيابة العامة بصلاحيات واسعة في سبيل مباشرة الدعوى الجنائية، ومنها:
1- سلطة التحقيق الابتدائي، حيث خول لها القانون مباشرة إجراءات التحقيق في الجنايات والجنح التي ترى التحقيق فيها بنفسها، أو ندب أحد مأموري الضبط القضائي للقيام ببعض الإجراءات.
2- سلطة الأمر بالضبط والإحضار والحبس الاحتياطي، وهي صلاحيات تمارسها النيابة العامة تحت رقابة القضاء، لضمان حسن سير التحقيق وعدم إفلات المتهم من العدالة.
3- سلطة الإحالة إلى المحاكم المختصة، وذلك متى رأت أن الأدلة كافية للإدانة، وهو ما نصت عليه المادة 199 من قانون الإجراءات الجنائية.
4- سلطة وقف تنفيذ العقوبة أو طلب انقضاء الدعوى الجنائية في حالات محددة نص عليها القانون، مثل التصالح في بعض الجنح أو انقضاء الدعوى بمضي المدة.
وقد أكدت محكمة النقض في هذا الصدد أن النيابة العامة وهي تباشر سلطتها في التحقيق والاتهام، إنما تعمل بصفتها سلطة اتهام مستقلة لا تتقيد إلا بأحكام القانون، وأنها ملزمة بالسعي وراء كشف الحقيقة في نطاق مبدأ الشرعية الإجرائية.
ثالثًاً: دور النيابة العامة في الجنح المباشرة
بالرغم من أن النيابة العامة هي المختصة أصالة بتحريك الدعوى الجنائية، إلا أن المشرع أتاح في بعض الجرائم البسيطة وخاصة الجنح، للمدعي بالحق المدني أو المجني عليه أن يلجأ مباشرة إلى المحكمة المختصة بطريق ما يعرف بـ “الجنحة المباشرة”، وذلك بموجب نص المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية، ومع ذلك، فإن دور النيابة العامة في هذا النوع من القضايا يظل قائماً من خلال حضورها الجلسات وإبداء الرأي والطلبات، والتأكد من سلامة الإجراءات، بل ولها أن تطلب الحكم ببراءة المتهم إن رأت أن الأدلة غير كافية وهو ما يرسخ مبدأ أن النيابة العامة تمثل المجتمع، لا مجرد جهة اتهام، وقد قضت محكمة النقض بأن تدخل النيابة العامة في الجنح المباشرة أمر لازم لصحة المحاكمة، لما تمثله من ضمانة جوهرية للعدالة.
وبذلك يتضح أن النيابة العامة تضطلع بدور محوري في النظام الجنائي المصري، بدءاً من تحريك الدعوى والتحقيق فيها، وصولاً إلى مرافعة القضايا أمام المحاكم، سواء كانت الدعوى قد حركت بطريقها المعتاد أو عن طريق الجنحة المباشرة، بما يكفل حسن تطبيق القانون وصون حقوق الأفراد والمجتمع.
