
الضيف عبر الهاتف: المرشد التربوي والاستشاري الأسري السيد عبد السلام محمود عطوي.
دراسة الحالة Etude de cas: نور الهدى محمود بكالوريوس.
“أنا طالبة أبلغ من العمر 21 سنة، لقد فشلت في دراستي الجامعية ولم أستطع تجاوز فشلي.
أقارن نفسي أحيانا بالآخرين الذين استطاعوا النجاح فأشعر بالخجل من نفسي والاحراج كلّما سألني أحد عن مستواي الدراسي. أنا ألوم نفسي يوميا وأعجز عن النوم فهل من نصائح؟”.
المداخلة: عبر الهاتف مع الأستاذ عبد السلام محمود عطوي
أستاذنا: لقد ورد في هذه الوضعيّة عدّة مفاهيم وسلوكات ومشاعر.
-النجاح والفشل.
-المقارنة بالآخر.
-الشعور بالإحراج وبالخجل.
-العجز عن النوم.
إزاء كل هذا هذه الطالبة تطلب نصائح.
كيف يمكن تجاوز هذه المشاعر والسلوكات لاقتراح بعض النصائح كحلول لهذه الحالة؟
الجواب:
من المرشد التربوي والاستشاري الأسري
1-العائلة تساعد الابن من السنوات الأولى مهارات الحياة التي ستصاحبه طيلة حياته.
مثال لمهارات الحياة: الإصرار/ تحمّل المسؤولية…
كيف يكتسب الطفل مهارة الإصرار منذ سنواته الأولى؟
عندما يسقط الطفل يحاول أن يقوم ثمّ يسقط فيحاول القيام ويسقط ويحاول القيام فهذا إصرار منه على القيام لوحده.
هذا الإصرار كمهارة سيكتسبها الطفل للخروج من الفشل في دراسته/ في حياته الزوجية/ في مشاريعه…
*الوالدان يتحمّلان مسؤولية نجاح ابنهما أو فشله منذ السنوات الأربع الأولى.
2-البيئة: عند دخول الشاب الحياة الجامعية سيفقد حنان الأم سيفقد مراقبة الأب وصرامته ومسؤوليته…
إذا كان هذا الشاب قد اكتسب مهارة الإصرار منذ السنوات الأولى من عمره سيتعلّم أن يخوض معارك حياته بنفسه وهي أول خطوات تحمّل المسؤولية.
وبالتالي إذا دخل معترك الحياة الجامعية وفشل وهو يفتقر الى مهارة الإصرار سيستسلم للفشل نهائيا وهذا ما حدث لصاحبة قصّتنا من دراسة الحالة.
والأدهى من هذا فانّ من يفشل قد يدخل في الانطواء النفسي والحديث النفسي السلبي.
تقول دراسة عالمية أجرتها جامعة أمريكيّة أنّ 70 % من الأمراض النفسية التي تحدث ألما (منذ القيام في الصباح يشعر بالألم في كامل أنحاء الجسم وفي مفاصله دون أن يكون قد تعرّض لضرب) دون معرفة السبب.
-هذه أمراض سببها حديث النفس السلبي (الدخول في مقارنات/ أنا فاشل/ أنا سلبي/ أنا لا أصلح لـ…)
النصيحة: لا بدّ من الخروج من حديث النفس السلبي.
من يتعرّض لفشل لا يحدّث نفسه الاّ إيجابيا (أنا قويّ/ أنا أستطيع/ أنا قادر على…) ثمّ يمرّ الى:
المرحلة العمليّة: إذا قام المعنى بالأمر بحاجاته داخل البيت وخارجه وحضر بالجامعة فهذا نجاح والنجاح يأتي بنجاح والنجاح يبدأ بخطوة:
-قيامك بحاجاتك داخل البيت نجاح نجاح تلو نجاح يؤدّي الى
-قيامك بحاجتك خارج البيت بنجاح تراكم نجاحات تخرج من
-الحضور بالجامعة نجاح…… الفشل
أمّ أن نستلقي على الفراش وتبدأ تلوك أحزانك وفشلك وتدخل في الحديث النفسي السلبي فهذا دمار ولن يخرج من الفشل بل قد يسوق الى اضطرابات نفسية وشخصية وقد يتحوّل وعيك الى لا وعي وادراكك الى لا إدراك حتى يصبح الشخص فاقدا للأهليّة نهائيا (فاقد العقل).
*التعقيب: شكرا على كل ما طرحته من تحليل وضرب أمثال لذلك الا يمكن أن نعتبر هذه الطالبة عند طلبها نصائح هي واعية بفشلها وتريد الخروج منه؟
الجواب: الوعي والادراك ليسا مفهوما بل لا بدّ أن يكونا خطوات علمية.
مثال: اذا رأيت ثعبانا لعبة فانك لا تتحرّك واذا أدركت أنه ثعبان حقيقي فوعيك سيقوم بحركة لا ارادية.
إذا كانت هذه الطالبة واعية بفشلها دون أن تتحرّك ودون أن تبذل مجهود فهذا ليس وعيا فالوعي الحقيقي هو الذي سيقود هذه الطالبة الى أن تتحرّك.
فاذا تحرّكت بدأت رحلة النجاح.
مثال: انّ المتحصّل على الدكتوراه لم يكن واعيا أن يكون يوما دكتورا لكن لمّا تحرّك في اتجاه النجاح تراكمت نجاحاته وكلّ نجاح يحتفل به وفق رزنامة فيرتفع يوميا لديه قانون النجاح فيصبح لديه ما يسمّى بالتخطيط الاستراتيجي (يومي/ أسبوعي/ شهري/ سنوي).
قبل الوصول الى الدكتوراه لا بدّ من:
-نشاطات يومية تؤدّي الى نجاحات يوميّة.
نشاطات أسبوعية تؤدّي الى نجاحات أسبوعية ثم نشاطات شهرية وكذلك سنوية.
انّ تراكم النجاحات تجعل الشخص يحقّق الهدف تلو الهدف وان اعترضته بعض الإخفاقات بإمكانه تجاوزه لأنّ له رصيد من النجاحات ولا يركن لحديث النفس السلبي و”لكل جواد كبوة”.
*التعقيب: هذه الطالبة هي نموذج من المجتمع الا يمكن ان تكون هكذا حالات تؤثّر على تقدّم المجتمع بصفة عامة؟
الجواب: أكيد لكن عملا بالآية: “لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم أقول إذا كان للفشل عدوى فالنجاح أيضا عدوي.
انّ المجتمع يتكوّن من أسر والأسر من أفراد فاذا نجح الفرد نجحت الأسرة ونجح بالتالي المجتمع.
وبالتالي إذا كان هناك وعي فردي فهناك وعي أسري وهناك وعي مجتمعي والذي يصنعه الوعي الفردي والوعي الأسري وهكذا يبني المجتمع بنجاح الفرد ونجاح الأسر.
الردّ من قارئة لهذه الحالة.
“عزيزتي أنت ناجحة بجدارة لأنّ الفشل هو موت الضمير وموت الطموح والتوقّف عن المحاولة لتغيير وضعك.”
عليك بتغيير أفكارك ونظرتك لنفسك أولا.
-لا أحد ينجح بدون مروره بمحطات فشل وغالبا أنّ الناجحين لا يظهرون فشلهم للعامة فيعتقد الناس أنهم ولدو ناجحين ولم يتعرضو الاحباطات واخفاقات.
-البطولة صديقتي هي تجاوز محطات الفشل والإحباط لأنّ المرور بهذه المحطات أمر حتمي لكل أحد وهي سنّة الحياة.
-كما أننا لا نشعر بقيمة السعادة ان لم يكن هناك حزن فلن نشعر بقيمة النجاح ان لم نمر بالاخفاق.
-البطولة هي تجاوز ذاك الإخفاق بكل ثقة والتعلم منه وليس البقاء في حفرة الفشل ننتظر رحمة البشر دون محاولات منّا.
حسنا دعيني صديقتي أخبرك بتجربتي سريعا:
“أنا طالبة معتادة أن أكون الأولى دراسيا في كلّ الأقسام لكن عندما دخلت الجامعة اختلف الأمر والوضع:
كنت أطمح للنجاح فقط وليس لديّ طموح وكنت لا أحبّ تخصّصي وأمرض باستمرار.
لقد مررت بمشاعرك حينما تلقيت انذارا من منحتي الدراسية في الجامعة عندما رسبت في بعض المواد لأنني مرضت مرضا شديدا وقت الاختبارات.
-لقد فقدت جزءا كبيرا من ثقتي بنفسي بعدها.
-لم ألجأ لأحد من البشر لأنهم تخلّوا عني جميعا حتى أهلي الذين ما انفكّوا في معاتبتي.
-أمّي الوحيدة وقفت معي بدعائها وقلقها وسؤالها المستمر عن دراستي وتشجيعي لكنها لا تملك لي غير ذلك فهي لا تملك إعادة ثقتي وتركيزي ولا تملك أن تمنعني من الرسوب ولا أن تدفع لي رسوم الجامعة عوضا عن المنحة. لكن الله قادر على كل ذلك وأكثر.
-لقد التجأت إلى الله وتوكّلت عليه وهو فقط من أنقذني فقد خرجت من بعد الانذار من ثلاثة فصول على التوالي بنجاح كامل رغم أنّ الموادّ أصبحت أصعب بكثير من سابقها.
-انّ أملي بالله أنّني سأكمل ما تبقّى من الفصول بنجاح وتميّز حتى التخرّج ان شاء الله.
-لكن كما أخبرتك لم أكن أشعر بشعور المنافسة ولا الطموح.
-أنا لا أتوقّف عن مقارنتي نفسي بالآخرين فتعبت نفسيّتي مما سبّب ليّ المرض كثيرا (الاحباطات والنفسية السلبية والقلق يضعفون المناعة فتصبح فرصة المرض الجسدي أكبر).
عندما ذهبت الى الطبيب في حالتي المزرية من أمراض جسديّة ونفسيّة أخبرني أنّ كلّ الفحوصات سليمة وعليّ فقط تغيير نمط حياتي (life style).
لقد اصطدمت وقلت في نفسي من المستحيل أن يكون حلّ هذه المشاكل هو تغيير أكلي وأفكاري ولعب الرياضة.
-لقد كنت أريد دواء، أريد حلاّ (ربما كنت أبحث عن حلّ سحري يقلب حياتي).
بيد أني اكتشفت بمساعدة نصائح صديقتي انّ أفكاري هي سبب كلّ شيء…أنا لم أثق في قدراتي من بعد الرسوب (لأنها أول مرّة تحصل معي في حياتي لأنني كنت متفوّقة دائما قبل دخولي الجامعة كما أخبرتك).
فكانت صدمة بالنسبة لي ولم أتجاوزها الاّ حينما جلست جلسة هادئة مع نفسي مسحت كل الأفكار المسبقة في عقلي.
قلت: سأعيد بناء أفكاري بإيجابية وثقة.
-أنا الآن مولودة من جديد لا أملك تصوّرا عن نفسي سوى أنّني أستطيع فعل أيّ شيء ولا أحد يملك قدرات تفوّقي.
-بمكتبي أن أتميّز أن ركّزت على نفسي فقط وتوقّفت عن مقارنة نفسي بأحد لأنّ الله ميّزني بما لم يميّز غيري به ولأنّ لكلّ شخص ظروفه وحياته ورسالته وأهدافه ولأنّ الله لا يكلّفني الاّ ما أتاني من طاقات وقدرات ولأنّني على ثقة أنّ الله وضعني في المكان المناسب الذي أهل للتفوّق والتميّز فيه.
-لا شيء يميّز أوائل الجامعات عن الباقي الاّ النيّة والإصرار. أنهم نووا أن يتفوّقوا وأصرّوا على ذلك إصرارا. فقط نيّة وإصرار وثقة بالله وبنفسك أنّك تستطيعين عزيزتي.
وضعت طموحي وهدفي أمامه وأنا الآن مستعدّة لمنافسة أوائل دفعتي في الفصول المتبقّية لي لأنه حرفيا لا يملكون أيّ شيء إضافة عمّا أملك، فقط عليّ أن أدرك الإمكانات والقدرات التي وهبني الله ايّاها وأبدأ باستخدامها لأتقن دوري بكفاءة.
-أنصحك بمطالعة كتاب “أيقظ قواك الخفيّة” انه كتاب في علم النفس وليس في التنمية البشريّة وهو مختلف عنها وسيساعدك.
-ان كنت لا تحبّين القراءة فشاهدي يوتيوب مراجعة للكتاب مع تدوينك ملاحظات منه.
-لا تنسي الاكثار من تلاوة وسماع القرآن الكريم والدعاء بإلحاح ويقين وحسن ظنّ بالله وأن تنوي التغيير والتفوّق وتبدئي بالعمل خطوة خطوة.
-صدقيني انّ الخطوة الأولى هي الأصعب لكن ستتغيّر حياتك ونظرتك لنفسك جذريا.
-هيّا حضّري ورقة وقلما واكتبي إيجابيات وسلبياتك وطموحاتك وأهدافك وكيف يمكن تحقيقها.
جدّدي الخطوة الأولى على الأقل وحدّدي مخاوفك وكيف يمكن التغلّب عليها وخطّطي لحياتك وابدئي بالتنفيذ.
-بالتوفيق صديقتي.
-أنت لها، أنا أثق بك وبقدراتك التي وهبك ايّاها الله الكريم.”
تقول احدى المعلّقات على هذه الحالة:
“باختصار شديد من ينظر الى خارج نفسه يحلم. أمّا من ينظر داخلها يستيقظ” وشتّان بين اليقظة والحلم.








