قصة قصيرة

جاكلين فخري حنا
جلست امرأة شابة في زاوية داخل مطعم قريب من موقف للشاحنات بحي وسط مدينة الإسكندرية، واستسلمت للبكاء. ووقفت إلى جانبها طفلتان في الرابعة والخامسة من العمر تراقبانها مهمومتين.
وكان ورد اتصال على المخفر، يفيدهم بالوضع، فأُرسل المخفر شرطياً للإطلاع على الأمر. وإذ دنا من العائلة، لاح الخوف في الطفلة الكبرى، فقالت بعفوية: “لقد تركنا أبي… أنزل أمتعتنا من السيارة، ورحل، بينما كنا في الحمام”!
قال لها الشرطي: “هكذا إذاً يا سيدتي الصغيرة. هيا اجلسي أنتَ وشقيقتكِ هناك، واطلبي طعاماً لكما”.
فابتعدتا على مضض، وأشار إلى النادلة لكي تهتم بهما. وسأل والدتهما: “ما المشكلة؟”، فأجابته، وهي تمسح عينيها بظاهر كفها: “كما قالت لك ابنتي. زوجي ليس قاسياً، ولكن لم يعد لدينا أي مورد للرزق، وهو ظن أننا سنلقى مساعدة ان هو تركنا”.
– هل لديكِ أقارب؟
“أجل، ولكن في مدينة دمنهور”.
جلس الشرطي، وتداول أسماء الجمعيات والمؤسسات، التي يمكن اللجوء اليها. وقدمت النادلة إلى الطفلتين شطيرتي نقانق مع بطاطا مقلية. وحين توجه إلى الصندوق، وأخرج محفظته، ليدفع ثمن الطعام، بادرته النادلة: “هذه تقدمة من صاحب المطعم، فنحن على علم بما يجري”.
في تلك اللحظة، اقترب من الصندوق رجل ضخم، يرتدي سروال جينز، وقميصاً قطنياً، وقبعة رياضية، وناداه: “حضرة الشرطي!”. لاحظ أن الاحاديث همدت، وأن عيون الزبائن شاخصة إليهم، وغالبيتهم من سائقي الشاحنات. ثم ناوله الرجل حفنة من الأوراق النقدية، قائلاً: “لقد جمعنا ما يكفي لمساعدة السيدة وابنتيها على المضي في وجهتهن”.
فقال له الشرطي: “أنا أكيد! أن السيدة ستكون ممتنة، فهل أعلمها باسمك؟”.
فرفع يديه متراجعاً: “لا، قل لها ان المبلغ من أصدقاء، هم أيضاً أرباب عائلات”!
كان المبلغ كافياً لشراء بطاقات حافلة إلى مدينة دمنهور، وما يلزم من طعام طوال الطريق. وبكت المرأة ثانية، عندما أعطاها النقود.
وبعد دقائق دنا زوجان وولداهما من الطاولة محاولين التخفيف عنها. واتصل الشرطي بالمخفر ليبلّغ عن تسوية الامر.








