(شارلمان) رمم كنائسها بالتعاون مع هارون الرشيد
بيت لحم البقعة الطاهرة..

بقلم الباحث و الأديب
باسم أحمد عبد الحميد
لمدينة بيت لحم، مسقط رأس سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، مكانة عظيمة، في قلب كل انسان على ظهر البسيطة، تحلى قلبه بالايمان والحب، والخير والسلام..
حيث تتحلى المدينة، وتتجلى في أروع عُرس، ديني، حيث الطقوس الدينية الرائعة في أعياد الميلاد، مع حضور العديد من الطوائف المسيحية بالعالم، لزيارة بيت لحم، وكنيسة المهد، واضاءة شجرة الميلاد، وزيارة القدس ( البلدة القديمة)، وحضور قداس منتصف الرابع والعشرين من ديسمبر للغربيين، ونحن هنا في مصر نحتفل سوية مسلمين ومسيحين يوم السابع من يناير، وهو يوم عيد وعطلة رسمية لقطبي هذا الوطن.. ونحن كمسلمين نحتفل بميلاد سيدنا عيسى، كما خص القرآن الكريم سورة كاملة لخير نساء الأرض، وأفضل من سارت على الارض من نساء الأرض، باسمها ( سورة مريم)، وتأتي أهمية الاحتفال من أنه يعتبر اعلاناً سنوياً للهوية الوطنيةروالصمود في وجه الاحتلال الغاشم..
ولمدينة القدس في الإسلام والمسيحية عموماً مكانة عظيمة تنبع من تقدير الرسول صلى الله عليه وسلم لها، وحلوله في أرضها وارتباطه بالمسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع على الأرض فقال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت وكم بينهما قال أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحينما أدركتك الصلاة، فصل فيه فإن الفضل فيه.. وتعد مدينة القدس في مقدمة المدن التي احتوت قدراً عظيماً من المقدسات الدينية بحكم كونها موطن كثير من الأنبياء والرسل فهي المدينة التي كانت محل الأنبياء وما فيها من موضع شبر إلا وصلى فيه نبي أو قام فيه ملك والسنة النبوية حافلة بما للمسجد الأقصى من مكانة..
فعن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لا تشد الرحال إلا الى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى، وقد أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى وفي ذلك نزلت الآية الكريمة (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)..
ومن خلال تتبع الدور الحضاري والتاريخي أمكن التعرف على خصوصية القدس التي افتقدت قدراً من المقومات الطبيعية للمدن التقليدية، فلا هي تقع على مجرى مائي عظيم ولا هي ميناء إلا أن أراضيها بركانية صالحة للزراعة التي تعد عنصراً اساسياً لقيام الحضارة قديماً وحديثاً، وللقدس مكانتها الدينية الضاربة في أعماق التاريخ والتي اهلتها لكي يكون لها خصوصية المدن العملاقة، ذات التأثير الكبير والحضاري الذي ارتسم بملامح دينية متميزة، وقد ارتبط( بيت المقدس) في تراثنا الإسلامي، منذ صدر التاريخ بقدر هائل من الاهتمام لدرجة أنه يندر ان تجد محدثاً أو فقيهاً أو مؤرخاً إلا وأعطى القدس مساحة كبيرة في كتاباته، وبالقدر نفسه عني الأوروبيون بالقدس منذ انتشار المسيحية والاعتراف بها في أوائل القرن الرابع الميلادي حيث صار في وسع المسيحيين من مختلف الأقطار أن يرتحلوا إلى الأراضي المقدسة ففيها (بيت لحم)، حيث ولد عيسى عليه السلام وأصبحت زيارة القدس أهم شعائرهم الدينية وفي العصور الوسطى تعاظم دور الكنيسة الغربية الكاثوليكية بدرجة أنها حرصت على فرض سيطرتها على القدس وعلى ضم أبناء الكنيسة الشرقية لنفوذها واتخذت من الحروب الصليبية وسيلة لتحقيق ذلك إلى أن تم استيلاء الصليبيين على بيت المقدس عام 492 هجرية 1099 ميلادية وظلت تحت حكم الصليبيين حتى استردها صلاح الدين سنه 583 هجريه و 1187 عقب موقعة حطين الشهيرة..
القدس النموذج للتعايش السلمي..
وقد أصبحت القدس في كنف الإسلام.. ورحابة القدس نموذجاً للعدل والسماحة حيث التعايش السلمي بين جميع الطوائف يقوم على مبادئ أساسيه اتسمت بالعدل والرحمة مما دفع سكان (إيلياء) إلى التسابق على معرفة الإسلام العظيم وكذا كانت سياسة عمر سبباً مهماً من أسباب دخول أهل الشام عموماً في الإسلام وفي سنه 21 هجرية 641 ميلادية ضمت القدس الى الشام وخضعوا لحكم معاوية ابن أبي سفيان الذي كان والياً على الشام..
وفي عهد عبد الملك بن مروان انشئت قبة الصخرة، وهي بناء من الحجر فوق الصخرة المقدسة يقع وسط بيت المقدس وقد شرع عبد الملك في تشييده سنه 685 ميلادية 66 هجرية ثم أعاد، بناء المسجد الأقصى وهو من أعظم أعمال بني أمية في فلسطين وتشير مصادر التاريخ الأموي، إلى أن عبد الملك بن مروان كان يثق في النصارى جداً الى درجة أنهم شاركوا معه، فاسهموا مع المسلمين في بناء المسجد الأقصى، وسمح لهم بثقة كبيرة، لا حد لها أن يشاركوا في كل شيء وذلك بتوارث الخدمة فيه وإذا كان عبد الملك بن مروان، قد بني المسجدين المعروفين بمسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، إلا أن إطلاق اسم المسجد الأقصى على ما دار عليه السور والأبواب هو الذي بات معروفاً عند الإسراء والمعراج وحينما خضعت القدس للعباسيين عني هؤلاء بالمسجد الأقصى واستخدموا في وظائف الإدارة، كثيرا من غير المسلمين من المسيحين وتشير مصادر العصر العباسي إلى أن هارون الرشيد قد عامل النصارى معاملة كريمة جداً وسمح للامبراطور( شارلمان) بترميم الكنائس وبناء كنيسة العذراء ولعل العلاقة بين شارلمان وهارون الرشيد توطدت لدرجة ان هارون الرشيد أهدى شارلمان ساعة قيمة، ومنزلاً كبيراً وأقمشة نفيسة، وتعهد بحماية الحجاج المسيحيين، الذين يفدون لزيارة القدس وكانت شارلمان يبعث كل عام بوفد إلى القدس يحمل الهدايا إلى الخليفة، والاموال لفقراء المسلمين، وفي إحدى المرات قدم الوفد، مفاتيح كنيسة القيامة والقبر المقدس تعبيراً عن التسامح التي تجسدت كل معانيه في سلوك كثير من حكام القدس.. والواقع أن ثمة حقيقة أساسية، هي أنه إذا كانت الحضارة العربية الاسلامية باعتراف الباحثين أعظم حضارة شهدها العالم أجمع خلال فترة العصور الوسطى فان السر في ازدهارها إنما يرجع الى روح التسامح والحب في الله
