
تقرير هند محمد على
يتميز شهر رمضان في مصر دونا عن غيرها من دول العالم العربي والإسلامي، بالعديد من الطقوس والمظاهر وعلي رأسها السهرات الرمضانية حتى مطلع الفجر، وللفنانين المصريين نصيب من هذه الطقوس.

قطايف نجيب الريحاني
وفي العدد 347 والصادر بتاريخ 25 مارس عام 1958، رصدت مجلة الكواكب الفنية، أبرز الطقوس الرمضانية لفناني الزمن الجميل، بالتحديد مسارح عماد الدين والذي كان قبلة الفن ونجومه.
يستهل محرر الكواكب رصده لهذه الطقوس والمظاهر مشيرا إلى أن: “أيام زمان، أيام كان لشارع عماد الدين مجده الذهبي، وأيام كان للفن سطوة ودولة، كان لشهر رمضان المبارك مجده في شارع عماد الدين، كانت بوفيهات مسارح عماد الدين تقدم في شهر رمضان ألوانا من الحلويات التي أشتهر بها الشهر المبارك، كان بوفيه مسرح رمسيس يقدم نوعا من المهلبية المطهية بالمكسرات، وحاولت الفرق الأخري أن تدفع بوفيهاتها إلي تقليد هذا النوع من “المهلبية” دون جدوي، وكان بوفيه مسرح بريتانيا الذي تعمل عليه فرقة الريحاني مشهورا بعمل القطايف الفاخرة، وكان يتولي عملها طاه سوري اسمه الحاج “صبحي”، وبلغ من براعته وأتقانه في صنع القطايف أن المرحوم نجيب الريحاني كان يشير في إعلانات الفرقة في الصحف إلي قطايف الحاج صبحي التي يقدمها المسرح طوال أيام رمضان.

سحور على حساب علي الكسار لجمهور مسرحه
ومن نوادر وطرائف الفنانين زمان، ما عرف عن بربري مصر الأول الفنان علي الكسار، وفي رصد الكواكب لطقوسه في شهر رمضان يضيف محررها: “وكانت المنافسة بين الفرق المسرحية تشتد في شهر رمضان، وكانت هذه المنافسة مجالا مفتوحا لاحتفاء هذه الفرق بالشهر المبارك، وذات مرة أعلن علي الكسار أنه سيقدم وجبة السحور لجمهوره بعد انتهاء الحفل اليومي لفرقته، وبالفعل لاقت فرقة الكسار إقبالا كبيرا، إلا أنه اكتشف وهو يحصي الأرباح والخسائر أنه قد خسر مبلغا طائلا زاد على الألف جنيه”.

انتقام كامل الخلعي من فاطمة رشدي
وكانت فاطمة رشدي مشهورة بصواني الكنافة، وكثيرا ما كانت تدعو أفراد فرقتها والنقاد الصحفيين إلى تناول كنافتها الشهية بعد انتهاء حفل الفرقة، ودعي المرحوم “كامل الخلعي” ذات مرة إلى تناول السحور في كواليس فاطمة رشدي ولكنه وصل متأخرا، وطال انتظاره للكنافة دون جدوى، وعندما سأل صاحبتها فاطمة رشدي أعتذرت بأن المدعوين قد أتوا على كل الصواني التي صنعتها في هذه الليلة، وأسرها الخلعي في نفسه وفي اليوم التالي، كان يسير في شارع عماد الدين بعد الإفطار يحمل خادمه عدة صواني من الكنافة، وكان يستوقف المارة ليقول لهم: “دوقوا كنافة فاطمة رشدي”، وكان بالطبع قد زود هذه الصواني بكميات من الشطة والفلفل، وكان كل من يأكل منها يسارع بالهرب وهو يلعن الكنافة وتندر الوسط الفني كله بانتقام كامل الخلعي من فاطمة رشدي.

مائدة رحمن تقيمها بديعة مصابني
وعن طقوس الفنانين في شهر رمضان، يستكمل محرر الكواكب: “واعتادت بديعة مصابني أن تقيم خلف مسرحها بشارع عماد الدين لتقدم فيه طعام الإفطار وطعام السحور طوال شهر رمضان للناس علي الرغم من أنها مسيحية، وكانت تعطي الصائمات من الفنانات العاملات معها إجازة طوال شهر رمضان ومن بين هؤلاء جميلة التركية، وخيرية صدقي وسعاد عبده وجمالات حسن وكن جميعا من أشهر راقصات عماد الدين”.
وكان يوسف عز الدين، وهو أحد أصحاب الصالات الكبيرة في شارع عماد الدين، يغلق أبواب صالته ويكتب إعلانا علي الباب يقول فيه: “أن الصالة إجازة طوال شهر رمضان”، وكان يعاود افتتاحها ليلة عيد الفطر.

قصة ظهور فوازير رمضان
طقس من طقوس رمضان اعتاد عليه الجمهور لأكثر من نصف قرن، قبل أن يتلاشى ويختفي من على الساحة الفنية. والمقصود هنا فوازير رمضان التي ارتبط بها المشاهدون وكانوا ينتظرونها كل عام في الشهر الكريم.
ومنذ سنوات قليلة فقط انتهى عمرها الافتراضي، وانصرف عنها صناع الأعمال الفنية، واستبدلوها بأعمال أخرى حتى تتماشى مع “الموجة الفنية السائدة”، مثل مسلسلات “الست كوم”، والبرامج الكوميدية.
بداية الفوازير بالإذاعة المصرية
وكانت لبداية صناعة فوازير رمضان قصة غريبة، حيث أنها لم تبدأ في التلفزيون مثلما يظن البعض، بل كانت عبارة عن فقرة قصيرة في الإذاعة المصرية، عندما بدأت الإذاعية المصرية آمال فهمي بتقديم فكرة جديدة ضمن برنامجها الإذاعي في رمضان عام 1955.
وكانت الإذاعية الكبيرة تستضيف أحد نجوم الفن دون ذكر اسمه وتطلب منه قراءة بعض السطور على الهواء، وتقيم مسابقة للمستمعين للتعرف على صاحب الصوت.
واستضافت بأحد الحلقات المطربة أم كلثوم، والتي قرأت صفحة من كتاب “الأيام” للراحل طه حسين، والغريب في الأمر أن المستمعين لم يتعرفوا على صوت كوكب الشرق نظراً لسماعهم لها وهي تغني فقط.
وحققت تلك الفقرة نجاحا منقطع النظير، ما جعل مسؤولي الإذاعة المصرية يعملون على تطويرها، واستعانوا وقتها بعدد من الكتاب والشعراء المحترفين لكتابة فوازير حقيقية تقدمها آمال فهمي عبر برنامجها في رمضان، وكان من بين هؤلاء الشعراء بيرم التونسي وصلاح جاهين ومفيد فوزي وغيرهم.

انتقال الفوازير إلى التلفزيون
في عام 1967 كانت فكرة الفوازير على موعد من الانطلاقة الكبرى، علي يد المخرج أحمد سالم الذي قرر تصوير الفوازير كي تعرض على شاشة التليفزيون المصري، واستعان وقتها بفرقة “ثلاثي أضواء المسرح” المكونة من سمير غانم والضيف أحمد وجورج سيدهم، لتحقق الفوازير نجاحا آخر على مستوى التلفزيون، وتنال إعجاب المشاهدين.
أما عام 1975 وبعد ثماني سنوات تطورت الفوازير بشكل كبير على يد المخرج المصري فهمي عبد الحميد، الذي استعان بالفنانة نيللي لتقديم بعض الاستعراضات الغنائية وتقدم سؤالاً بسيطاً في نهاية كل حلقة، على أن يجيب عليه الجمهور ويرسل إجابته عبر البريد إلى مبنى التلفزيون المصري.
استمرت نيللي في تقديم الفوازير حتى عام 1981، ليظهر منافس آخر لها وهو “فطوطة”، تلك الشخصية التي قدمها الفنان سمير غانم فوازير رمضان وحقق بها نجاحاً ساحقاً وأصبحت علامة من العلامات الفنية.
بداية اختفاء الفوازير
وبعد ذلك ظهر منافسون آخرون، حيث برعت الفنانة شريهان في تقديم الفوازير أيضاً، حتى أن فكرة الفوازير قد ارتبطت باسمي “نيللي وشريهان”، كما قدمت الفنانة الراحلة هالة فؤاد أحد مواسم الفوازير، وكذلك الفنانة نادين وغيرهن من النجمات الاستعراضيات.
وقدم الفنان الراحل فؤاد المهندس حلقات فوازير شهيرة كانت تحمل اسم “عمو فؤاد”، لتدخل الفوازير بعدها في ظلمات الاختفاء والتراجع عاما تلو الآخر حتى أصبحت مجرد ذكريات فنية وتراثاً يتذكره الجمهور ويحن إليه.
ورغم المحاولات لإحياء الفوازير من جديد عن طريق الفنانة اللبنانية ميريام فارس، التي قدمت بالفعل موسماً من فوازير رمضان، لكن المحاولة لم تنجح حتى دخلت فكرة الفوازير مرة أخرى إلى النفق المظلم تاركة في قلوب وأذهان المشاهدين ذكريات عطرة ومشاهد لا تنسى.








