“قسمت مملكتك ، وأعطيت للفرس والميديين “.
سفر دانيال (5: 28)

بقلم : حسني حنا
علاقة الفرس بمنطقة الشرق الأوسط ليست جديدة .وفي تاريخ هذه المنطقة صفحات عديدة ، ترصد هذه العلاقة . لاکثر من (2500) عام مضت . أي منذ قيام الدولة الفارسية.
تقديم
ظهرت الامبراطورية الفارسية إلى الوجود ، واتسعت كالمد الجارف في القرن السادس قبل الميلاد ، وقد كانت من أكبر الامبراطوريات التي عرفها العالم القديم ، هاجمت جيوشها الممالك والامبراطوريات الأخرى ، في بلاد الرافدين وسوريا وبلاد الأناضول واليونان ومصر لقرون عديدة ، كما سيطرت على طرق التجارة العالمية، التي كانت تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا ، وسيطرت على البضائع التي كانت تتدفق من الشرق إلى الغرب مثل الحرير والتوابل والذهب والبخور والمر واللبان وغيرها، والحكماء الثلاثة الذين جلبوا هداياهم الى المسيح الطفل ، كانوا في الحقيقة أمراء أو كهنة لدياته زرادشت، وربما كانوا من كبار التجار …
کورش مؤسس الامبراطورية
استوطن الهضبة الفارسية سكان قدموا من أواسط آسيا واستقروا فيها منذ الألف السادسة قبل الميلاد .
و کانت منطقة (سوزا) في جنوب غرب البلاد ، من أوائل أماكن .. استيطان الفرس ، وهي التي صارت – فيما بعد – عاصمة للدولة الفارسية.
قامت في إيران مملكتان هما ( مملكة الميديين) و(مملكة الفرس) وفي القرن السادس قبل الميلاد تغلّب الملك الفارسي ( كورش ) على الميديين ، ووحد الميديين والفرس – وهم أبناء عم في الأصل – تحت حكم واحد ، وأخضع الآشوريين، وقهر الملك (قارون) ملك مملكة (ليديا) في آسيا الصغرى . وكذلك بابل ، وأجزاء من الهند ، وفي عام (546 ق.م) وحّد كورش ما أخضعه من بلدان في امبراطورية واحدة .
الفرس والدولة البابلية الحديثة
بدأت الأطماع الايرانية في بلاد الرافدين، التي تشكل القسم الشرقي من الهلال الخصيب The fertile Crescent ، حین دّمر الملك (نابو بولاصر) مؤسس الدولة البابلية الحديثة ( الكلدانية ) بالاشتراك مع الملك الميدي ( كي أكسمار) مدينة نينوى العظيمة ، عاصمة الآشوريين في سنة ( 612 ق.م) وقد الحق القائد نبوخذ نصر (605 – 662 ق.م ) ابن نابو بولاصر الهزيمة بفرعون مصر ( نيخو) في كركميش على نهر الفرات سنة ( 605 ق.م) والحق الكلدانيون سوريا بامبراطوريتهم، و درمّر نبوخذ نصّر مدينة أورشليم عام ( 585 ق.م) وكان على سوريا الكبرى، أن تحكمها بلاد الرافدين من جديد، في الثماني والأربعين سنة التالية،
سقوط الدولة البابلية الحديثة
هاجم الفرس بقيادة ملكهم (كورش) مدينة بابل عام (538 ق.م ) وكان يحكمها في ذلك الحين الملك (نابو بونيدس ) وهكذا صّحت الكتابة على جدران القصر الملكي في بابل ، والتي تقول : ” قسمت مملكتك ، وأعطيت للميديين والفرس ( سفر دانيال 28:5) وعلى ذلك اعترفت سوريا بالحكم الفارسي الجديد .. ويعتبر سقوط مدينة بابل ، أكثر من مجرّد انهيار امبراطورية إذ أنه في ذلك الوقت، وفي ذلك الزمان ، انتهى العصر السامي ، وانقضت أيام الامبراطوريات السامّية التي لم تعد الا بعد أكثر من ألف عام، وكانت هذه المرة برعاية ممثلين جدداً هم (عرب) شبه الجزيرة العربية ، الذين لم يكن لهم شأن يذكر في السياسة والعلاقات الدولية القديمة، أما الفرس الذين بدأت بهم الفترة الجديدة ، فينتسبون إلى الفرع( الهند – إيراني) من المجموعة (الهند – أوروبية ) وقد خلفهم في سيادتهم على العالم السامي ، المكدونيون فالرومان ثم البيزنطيون.
توسع امبراطورية الفرس
ضّمت الامبراطورية الفارسية بعد ربع قرن من ولادتها ، بلاد الرافدين وسوريا ومصر، والمدن الأيونية (اليونانية ) في آسيا الصغرى ، وصولاً إلى البنجاب في الهند ، وقد سار جميع أطراف هذه الامبراطورية المترامية الأطراف شبكة من أحسن الطرق. ونقد موحّد، ولغة رسمية ، هي اللغة الآرامية ( لغة سوريا القديمة) وهي اللغة التي شاع استعمالها طويلاً في بلدان الشرق الأوسط وخاصة في الشؤون التجارية والمعاملات الرسمية ، وهي أيضاً اللغة التي تكلمها السيد المسيح ، وقد عادت المدن الفينيقية في الساحل السوري إلى الازدهار، في ظل هذا (السلم الفارسي) كمراكز هامة للتجارة العالمية .
إعادة اليهود من السبي
وجد الملك كورش الفارسي، وحين دخل مدينة بابل جالية يهودية ، يعود أصلها إلى سبي الملك الكلداني نبوخذ نصر عالم (586 ق.م ) ويقدر عدد أفرادها بحوالي 40 ألفاً. وليس من الصعب الافتراض بأن هذه الجالية قد ساعدت كورش على احتلال المدينة، وقد سارع الفاتح الفارسي إلى إصدار مرسوم يقول الذين يريدون الرجوع إلى فلسطين، وإعادة بناء معبدهم في أورشليم حقّ العودة ( انظر سفر عزرا 7 : 3-5) وقد اعتبر اليهود کورش كمخلص ارسله الله (انظر اشعيا 44 :38 و 1:45) وقد عبّر شاعرهم عن الحنين الذي راود أكثر المسبيين من اليهود، بكلمات مؤثرة حية ، في (المزمور 137)، ومما لاشك فيه أن كثيرين من اليهود المسبيين ، قد ظلوا في بابل عملا بالنصيحة الواردة في (الاصحاح 29)
من سفر أرميا :
“ابنوا بيوتاً واسكنوا ، واغرسوا جنّات وكلوا ثمارها ، واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم اليها، وصلّوا لأجلها، لأنه بسلامها يكون لكم سلام” .
الفرس واليونان
في الوقت الذي كان فيه الفرس ، يشّجعون اليهود على تعزيز مواقعهم في الساحل الفينيقي الجنوبي (فلسطين) كانوا يعتمدون على الموارد الكنعانية (الفينيقية) لتوسيع امرا طوريتهم . وقد كان الأسطول الفينيقي عماد البحرية الفارسية في هجومها على اليونان بقيادة كسركيس xerxis (485 – 465 ق.م) لكن الأسطول تحطّم كله تقريباً ، في معركة سلاميس البحرية سنة (480 ق.م) انظر (هيرودوت الكتاب 7 الفقرة 96).
ومن الجدير بالذكر هنا، أن النزاع الفارسي اليوناني، قد كان بالنسبة للعالم أجمع، المرحلة الأولى في الصراع بين الشرق والغرب ، ذلك الصراع الذي تابعة الاسكندر المكدوني، والقائد الروماني بومبيوس ، ثم الفتح العربي ،وحروب الفرنج ، والفتوحات العثمانية في أوروبا، وحملة نابوليون وحملة الجنرال اللّنبي وغيرها..
احتلال مصر
تم هجوم قمیز 529-521 ق.م) ابن كورش على مصر، بمساعدة كنعانية ، وقد نتج عنه ضّم مصر حتى النوبة إلى الامبراطورية الفارسية ، وقد توفي قمييز في مكان غير معروف في سوريا، في طريق عودته الى مصر. ويذكر المؤرخ بليني pliny أنّ المكان كان على رأس جبل الكرمل ، بينما يجعل المؤرخ يوسيفوس دمشق مكان وفاته .
الفرس في سوريّا
كانت دمشق المدينة الرئيسة في سوريا في العهد الفارسي ، كما ذكر الجغرافي والمؤرخ سترابو Strabo. أما في الساحل السوري، فقد كانت اربع مدن ، هي ارواد وجبيل و صيدا وصور ، تمارس الحكم الذاتي المحلّي.
وقد نقم سكان المدن السورية على الموظفين الفرس، لتكبرهم على المواطنين السوريين وأعلنوا التمّرد ، الذي بدأ في مدينة طرابلس عام (351 ق.م) ضد الملك الفارسي أرتحشستا ochus الثالث ، وانتشرت حتى عّمت الساحل السوري كله . وكانت مصر مصدر التشجيع ، وسرعان ما انتقل مركز الثورة ، إلى مدينة صيدا . وقد استعد أهلها للمواجهة ، وسار ارتحشستا من بابل على رأس جيش ، فاق عدده (300) ألف مقاتل ، وكانا الفينيقيون في الساحل السوري، قد شعروا في أواسط القرن الرابع قبل الميلاد ان شمس الفرس ، قد آذنت بالغروب، وقد قررت المدن الفينيقية الرئيسة طرد الموظفين الفرس و أعلنت استقلالها . ولما قرر ملك صيدا تنيس Tennis تسليم المدينة للفرس ، تمرد سكانها عليه ، وقرروا الموت أحراراً ، وفي ساعة يأسهم ، أحرقوا جميع السفن في الميناء ، حتى لا يحاول المواطنون الهرب بحراً ، واعتصموا في بيوتهم ، بينما كانت النار تلتهمهم .وتلتهم ممتلكاتهم . ويُقال أن أكثر من أربعين ألف شخص قد هلكوا بذلك. أمّا القلائل الذين بقوا على قيد الحياة ، فقد تم أسرهم ونقلهم إلى بابل ، وهكذا أصبحت سيدة المتوسط رماداً . واستسلمت بقية المدن الفينيقية ،متأثرة بمصير صيدا المفجع، ويعتبر المؤرخون ان تاريخ سوريا في فترة الحكم الفارسي ، هو من أكثر العصور غموضاً في تاريخ البلاد .
سقوط الاجر الامبراطورية الفارسية
وضع الملك فيليب المكدوني والد الاسكندر، خططاً لتحرير المدن اليونانية في آسيا الصغرى ، من سيطرة الفرس، وأراد ردّ الزيارة التي قام بها الملك الفارسي داريوس (دارا) وابنه كسركيس لليونان، وعندما قتل الملك فيليب اغتيالاً – ترك تنفيذ الأمر لابنه الاسكندر .
بدأ الاسكندر وهو في سن العشرين هجومه في ربيع عام (334 ق.م) على رأس جيش يقارب عدده الأربعين الف رجل ، فاكتسح آسيا الصغرى، التي كانت جزءاً من الامبراطورية الفارسية في ذلك الحين، والتقى بالملك الفارسي داريوس الثالث (336-330 ق.م ) ومعه قطيع بشري متنوع ، يبلغ أفراده قرابة مائة ألف رجل ، من أبناء مختلف شعوب الامبراطورية. وتقابل الجيشان في إيسوس عام (333 ق.م) وقد استطاع اليونانيون بمهاراتهم العسكرية الانتصار ، فأسرع الملك داريوس وفلول جيشه بالهرب نحو الشرق ، تاركاً معسكره وأهل بيته . وقد بنيت في مكان المعركة مدينة الاسكندرون، التي حملت اسم الاسكندر إلى اليوم.
وبعد احتلال الاسكندر لمصر، عاد الى سوريا في ربيع عام (331 ق.م) وزحف على بلاد الرافدين ، و قرب مدينة نينوى هزم آخر جيش فارسي ، وهرب داريوس كعادته . ثم دخل الاسكندر مدينة بابل وسط ترحيب أهلها . ثم تابع سيره الى مدينة برسيبوليس عاصمة الفرس ، التي نهب كنوزها ، واشعل فيها النيران. بينما اغتال داريوس ، بعض المتآمرين عليه من معسكره .
عودة الخطر الفارسي
في عام (64 ق.م) أصبحت سوريا ولاية رومانية ، وعندما انقسمت الامبراطورية الرومانية ، في أواخر القرن الرابع الميلادي، أصبحت سوريا جزءاً من الامبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) .
لم تنتبه سوريا وحدها الى الخطر الفارسي الجديد . بل إن بلاد الرافدين ومصر ، تنبهتا إلى ذلك ايضاً ، وقد صدّ البيزنطيون الهجوم الفارسي الأول ( 527 – 532 ) زمن الامبراطور جوستنيان . لكن الفرس عادوا للظهور من جديد عام (540) في عهد الملك كسرى أنو شروان ( 531 – 579 ) الذي زحف على سوريا، على رأس 30 ألف رجل . وقد أشعل النار في مدينة حلب ، ثم تابع سيره الى مدينة أنطاكيا ، التي كانت عاصمة سوريا في ذلك الحين ، وقد نهب الفرس هذه المدينة، وجرّدوا كنيستها الكبرى من كنوزها الذهبية والفضية، ومن رخامها الفاخر، وهدموا المدينة بكاملها ، وأخذوا سكانها أسرى.
واستمرت الحروب بين البيزنطيين والفرس، واستمر الصراع على سوريا ، وفي سنة (628) استرجع الامبراطور البيزنطي هرقل سوريا ، التي كان خسرو الثاني قد اجتاحها (611- 614) وأعمل فيها النهب والدمار أينما توجه ، فقد غزا دمشق وروّع اهلها بالقتل والأسر، وترك كنيسة القيامة خراباً يباباً ، وذلك بعد أن انتهب مافيها من كنوز وتحف ، ومنها خشبة الصليب الحقيقي. وفي (14) ايلول سنة (629) أعاد امبراطور بيزنطة الظافر هذا الصليب الى القدس، ولا يزال المسيحيون حتى اليوم يحيون هذه الذكرى، بإيقاد المشاعل.
الصراع العربي – الفارسي
أنهكت الحروب المتواصلة بين الروم والفرس كلا الدولتين ، مما سهل للفاتحين العرب انتزاع بلاد ما بين النهرين من الفرس، وانتزاع سوريا ومصر من البيزنطيين ، في عمل عسكري ، غلب عليه الطابع الديني، ودعت إليه عوامل اقتصادية بعيدة الغور، ذكرها المؤرخون العرب أنفسهم ، كالبلاذري في كتابه (فتوح البلدان) ،وقد كان العهد الأموي عربي الهوى ، على عكس العهد العباسي ، الذي كان يعتمد على الفرس ، الذين عملوا على اسقاط الدولة وإعادة مجد الفرس ، وقد تنبه العباسيون إلى تلك الأخطار وقضوا عليها في حينها.
وفي مطلع القرن السادس عشر للميلاد، عمد الصفويون القرس على التدخل في العراق، والعمل على نشر المذهب الشيعي، ومن ورائه النفوذ الايراني، فحاربهم السلطان العثماني سليم الأول، الذي أكتسح العراق وهزم الصفويين، ودخل عاصمتهم (تبريز) في عام (1514).
ايران والعالم العربي اليوم.
لم يعترف الإيرانيون يوماً بهزائمهم المتلاحقة، في التدخل بشؤون جيرانهم، بل تابعوا العمل على تحقيق أطماعهم في المنطقة العربية، فاحتلوا إمارة عربستان اغفنية بالنفط عالم (1928) واحتلوا ثلاث جزر تابعة لدولة الإمارات ، وشجعوا الهجرة إلى كافة دول الخليج العربي.
وبعد وصول الخميني وجماعته إلى السلطة في طهران في عام (1979) عملت ايران على تصدير الثورة والتدخل في عدة دول ومناطق عربية مثل العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، تمهيداً للسيطرة عليها وإقامته (الهلال الشيعي) الذي يشمل هذه البلدان، كما عملت على مشروع إنتاج السلاح النووي، وقد باءت هذه الأعمال بالفشل بعد الحرب الأخيرة بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى.
