حين يطلّ الوعي من شرفة اللانهاية: تأملات في لغز التجربة الحدّية

بقلم بهجت العبيدي
في لحظةٍ ما، على حافة الفناء، حين يخرس الجسد ويخفت صوت العالم، يطلّ الوعي من شرفةٍ لا نعرف موقعها في الزمان ولا في الجغرافيا. هناك، حيث يذوب الحد بين العلم والروح، وبين التجربة والمطلق، تبدأ الحكاية. كم من أناس توقفت قلوبهم لدقائق، فيما يعرف بظاهرة الاقتراب من الموت، ثم عادوا إلى الحياة، ولذلك أطلق عليهم “العائدون من الموت”، ومعهم رواية لا تُشبه ما نعرفه عن التجربة البشرية. رواية تبدأ غالبًا بشعورٍ بالخفة، بانفصالٍ عن الجسد، بمنظورٍ علوي يرى الجسد ممددًا على طاولة العمليات أو وسط الحطام. يتبعها عبورٌ في نفقٍ مظلم ينتهي بنورٍ ساطع، لا يعمي، بل يلفّ الكيان كله بالسكينة. هناك، يسمع المرء صوتًا بلا كلمات، ويرى صورًا بلا أعين، ويشعر بحضرة لا تُشبه حضور البشر، كأن شيئًا أزليًا يحتضنه للحظة ثم يتركه يعود.
تتكرر هذه الشهادات في مختلف اللغات، لدى أطفال وشيوخ، لدى مؤمنين ومُلحدين، ومن هنا لا يمكنها أن تعطي مؤشراً حاسما حول صواب هذه العقيدة أو تلك أو حتى الإيمان من عدمه، فهي تحدث في حضارات متباعدة كأنها تلتقي فجأة عند بوابة واحدة. الغريب أن كل من عبر العتبة تحدَّث عن النور. النور لا بوصفه ضوءًا فيزيائيًا، بل كيانًا إشراقيًا، كثيفًا، يحتضن المشاعر جميعها ويهدهد النفس كما لم يحدث قط. لحظة واحدة تكفي لقلب سلّم القيم. لحظة واحدة، تشعر فيها أن الحياة كانت مجرد مدخل لحقيقة أوسع، لا تُختصر بالكلمات.
منذ أقدم العصور، ارتبطت هذه اللحظات بعالم الروح، ورآها الإنسان دليلاً على بقاء النفس بعد فناء الجسد. في التصورات الإسلامية، يتردد صدى هذه التجارب في أخبار البرزخ وملائكة الموت وفتنة القبر، وفي فكرة الروح التي تخرج كما تُسحب الشعرة من العجين. أما المتصوفة ذهبوا أبعد من ذلك، فرأوا في هذه التجارب تجلّيًا لعوالم الغيب التي لا يُدركها الحس، بل يشهدها القلب إذا انكشف الحجاب. وفي كتابات مثل “الروح” لابن القيم، أو “الفتوحات المكية” لابن عربي، نجد وصفًا لحالة الروح المنفصلة عن الجسد يطابق، بل يسبق، كثيرًا من شهادات العائدين من تخوم الموت. بل إن بعض من عادوا من هناك تحدثوا عن لقاء الحق، أو رؤيته بالبصيرة، أو سماع نداء الرحمة، قبل أن تعود بهم الحياة إلى ضيق الجسد ومحدودية الزمن.
لكن العلم لم يقف صامتًا أمام هذه الظاهرة. اقترب منها بأجهزته الدقيقة، فحاول أن يفكك ألغازها. أرجعها البعض إلى نقص الأوكسجين في الدماغ، خاصة في الفص الصدغي، مما قد يولّد هلوسات حسية. آخرون أشاروا إلى تدفق عارم للإندورفينات، تلك المواد الكيميائية التي يفرزها الدماغ في لحظات الألم الشديد، فتُحدث شعورًا بالسكينة والانفصال عن الواقع. بعض الباحثين وجدوا أن الإحساس بالخروج من الجسد يمكن تفسيره بخلل مؤقت في تزامن الحواس، ما يُنتج وهماً إدراكياً كاملاً.
لكن حتى أكثر التفسيرات العلمية صرامة، تظل تقف مرتبكة أمام بعض الشهادات: أشخاص كانت أدمغتهم متوقفة تمامًا، بحسب الأجهزة الطبية، ومع ذلك وصفوا بدقة ما جرى حولهم. آخرون رأوا أماكن أو أشخاصًا لم يكن بوسعهم إدراكهم بحواسهم. هنا يبدأ الشك في أن يكون الوعي شيئًا يتجاوز الدماغ، أو لعله يستخدم الدماغ فقط كأداة، لكنه ليس سجينًا فيه.
المثير أن هذه اللحظة النورانية لم ترتبط بدينٍ دون آخر، ولا بثقافة دون غيرها. المسلمون تحدثوا عنها، وكذلك المسيحيون، والبوذيون، واللا أدريون، بل حتى بعض الملحدين. كأن النور الذي يراه الجميع هو لغة كونية واحدة، فوق العقائد والتقاليد. لا يمكننا أن نتجاهل هذا التماثل العجيب. أن يتحدث أناس من ديانات مختلفة عن تجربة روحية موحدة، فهذا يفتح أبوابًا للخيال والتأمل. هل نحن أمام جوهر مشترك دفين في بنيتنا النفسية، يتجلّى فقط عندما تسقط الأوهام؟ هل النور رمز أزلي يسبق اللغة والدين؟ وهل ثمة طبقة من الوعي البشري تتصل بما يشبه المصدر الأول، النبع الذي تنهل منه كل الرؤى؟
ربما يكون الدماغ مبرمجًا بيولوجيًا لإنتاج هذه الصورة في لحظة الاحتضار، كما يرى بعض العلماء. وربما، على الضد من ذلك، يكون ما نراه هناك هو الحقيقة الوحيدة، وكل ما عداه ظل. لعل الوعي، في لحظة انهيار الجسد، يكتسب حريته ويطلّ من شرفة لا نعرفها، يرى منها ما لا يُرى، ثم يعود… ليحكي.
المفارقة أن الذين عادوا من هذه التجربة قلّما عادوا كما كانوا. لقد صاروا أكثر تواضعًا، أكثر انفتاحًا على الآخرين، أقل تعلقًا بالماديات، وأكثر إحساسًا بأن للحياة رسالة تتجاوز الوظائف والروتين والثرثرة. كأن ما رأوه هناك، حتى لو لم يفهموه، ترك في أرواحهم أثرًا لا يُمحى.
ولعل جوهر الظاهرة ليس في تفسيرها، بل في ما توقظه فينا من أسئلة: من نكون؟ وأين نذهب؟ وهل نفنى؟ وهل وعيُنا مرآة، أم هو نافذة؟ وحين نصل نحن، يومًا ما، إلى تلك العتبة، هل نرى النور ذاته؟ أم أن لكلٍّ نوره؟ لعلها لحظة واحدة، لكنها تختزن في داخلها آلاف السنين من الحنين، والرهبة، والحقيقة.
