
كشف فريق بحثي مصري فرنسي بقيادة جامعة القاهرة ومعهد “باليوتيك” الفرنسي عن نظام هندسي مائي معقد بجوار الهرم الأحمر في دهشور يعود تاريخه إلى نحو 4600 عام، في اكتشاف قد يغير النظرة التقليدية لأساليب بناء الأهرامات.
وبحسب الدراسة المنشورة في دورية Nature، تشير الأدلة الجديدة إلى أن المصريين القدماء امتلكوا تقنيات متقدمة للتحكم في المياه، واستخدموها لدعم عمليات البناء الضخمة خلال عصر الفرعون سنفرو (2613-2589 قبل الميلاد).
واعتمد الباحثون على صور الأقمار الصناعية، والخرائط التاريخية، ونماذج التضاريس، وتحليل مسارات المياه، لكشف حقيقة هياكل غامضة رُصدت منذ عام 1843 بالقرب من الهرم الأحمر، وكان يُعتقد سابقًا أنها مجرد طرق أو منحدرات لنقل الحجارة.
وأوضح الفريق أن هذه المنشآت عبارة عن نظام هيدروليكي متكامل يضم سدودًا ترابية وحجرية تمتد عبر وادي دهشور، حيث يبلغ طول كل هيكل نحو 600 إلى 700 متر، وعرضه بين 15 و30 مترًا، وارتفاعه نحو 6 إلى 7 أمتار.
واللافت في التصميم هو الشكل المتعرج للهياكل، وهو نمط لا يتناسب مع ممرات نقل الأحجار، لكنه يتوافق مع أنظمة تصريف مياه السيول والفيضانات.
ويشمل النظام المكتشف:
- سدين رئيسيين.
- خزانًا بسعة تقارب 61 مليون غالون من المياه.
- قناة لتحويل المياه.
- ما يُعتقد أنه أحد أقدم أنظمة تنقية المياه المتطورة في مصر القديمة.
ويرى الباحثون أن هذا النظام كان يساعد في تخزين مياه الأمطار والسيول الموسمية، والسيطرة على الفيضانات، وربما توجيه المياه بالقرب من موقع البناء للمساعدة في نقل الأحجار الثقيلة، وتوفير المياه للعمال، وتحضير الملاط المستخدم في البناء.
وأشار العلماء إلى أن التصميم الهندسي للسدود تضمن مصفاة مثلثية على شكل “منقار البط”، صُممت لتصريف كميات كبيرة من المياه بأمان ومنع انهيار السد، حيث تشير الحسابات إلى قدرتها على تصريف كمية مياه تفوق قدرة المصفاة المستقيمة بأكثر من الضعف.
ويربط الباحثون بين هذا النظام وخبرات المصريين القدماء السابقة في بناء السدود، خاصة سد الكفارة بالقرب من دهشور، الذي يعد من أقدم السدود المعروفة عالميًا، لكنه تعرض للانهيار بسبب ضعف نظام تصريف المياه. ويرجح العلماء أن مهندسي الهرم الأحمر استفادوا من هذه التجربة وطوّروا تصميمًا أكثر كفاءة.
ورغم أهمية الاكتشاف، يؤكد الباحثون أن النظرية ما زالت بحاجة إلى أدلة أثرية مباشرة، إذ لم تُجرَ حفريات كاملة في الموقع بسبب وجود أجزاء منه داخل منطقة عسكرية، كما أن بعض العلماء يشككون في إمكانية استخدام القناة لنقل القوارب بسبب ارتفاعها عن وادي النيل.
وفي انتظار الحفريات التي قد تكشف تاريخ هذه المنشآت بدقة، يفتح الاكتشاف نافذة جديدة على مستوى التطور الهندسي لدى المصريين القدماء، ويشير إلى أن بناء الأهرامات ربما اعتمد ليس فقط على القوة البشرية، بل أيضًا على حلول هندسية متقدمة للتعامل مع البيئة والمياه.








