
بقلم سمير لوبه
حين أقول اسمي ياسمين، يتخيل السامع زهرةً بيضاءَ في شرفةٍ تطل على صباحٍ هادئ، أو فتاةً تمشي بخفةٍ في ممرات الحياة. لكنني هنا، في هذا المكان لست زهرةً في شرفةٍ، جئت إلى هنا في يومٍ لا أتذكر تاريخه بدقةٍ، فالوقت هنا يفقد معناه سريعًا. يومها انغلق الباب خلفي بصوتٍ أجوفَ على حياةٍ سابقةٍ:
– ادخلي يا ياسمين.
نُطِق اسمي بسهولةٍ، لكنهم لم يعرفوا أن اسمي هو كل ما تبقى لي من العالم الخارجي.
الغرفة واسعةٌ نسبيًا، لونها مائعٌ لا هو أبيض ولا أصفر، على السرير المقابل تجلس امرأةٌ خمسينيةٌ، شعرها قصيرٌ غير مرتبٍ، تنظر إلى الحائط وتهمس بشيءٍ غير مفهومٍ. وعلى السرير المجاور فتاةٌ تحدق في السقف بعينين مفتوحتين على اتساعهما، كمن تخشى أن يهرب منها شيءٌ إن أغمضتهما.
قالت الخمسينية دون أن تلتفت:
– جديدة؟
قلت:
– نعم.
قالت:
– ستعتادين.
لم تقل ستتحسنين قالت ستعتادين. كانت هذه أول جملةٍ أفهم بها طبيعة المكان.
في الأيام الأولى كنت أراقب الجميع بصمتٍ. هنا يحفظون وجوهنا أكثر مما يحفظون أسماءنا. البعض يصرخ ، والبعض يضحك بلا سببٍ واضحٍ، وبعضهم يجلسون في صمتٍ أثقل من الصراخ.
سعاد تؤكد للجميع أنها ملكةٌ سابقةٌ، وأن القصر سُرِق منها. وعلياء تبكي كل مساءٍ لأنها تنتظر ما لا يأتي.
أما أنا، فكنت أقول الحقيقة:
– أنا لست مجنونةً.
فيربتون على كتفي، أو ينظرون إليَّ بعين شفقة.
ذات صباحٍ، جلست بجواري هدى وقالت بهدوء:
– ما قصتك؟
قلت:
– لا أعرف أي قصة تقصدين.
قالت:
– القصة التي جعلتك هنا.
سكتُّ قليلًا، ثم قلت:
– قلت الحقيقة.
نظرت إليَّ بدهشة:
– فقط؟
– نعم. قلت الحقيقة في وقت انتظر مني الجميع أن أكذب.
اسمها كان هدى. دخلت المصحة لأنها رفضت الزواج ممن اختاره لها أهلها، وقررت أن تعيش وحدها. قالوا أنها متمردة، غير متزنة، لا تفهم مصلحتها. هنا، في هذا المكان، كان التمرد أحد أشكال الجنون المعترف بها.
أما أنا، فقصتي أبسط . كنت أعمل في مؤسسةٍ محترمةٍ، مديرها رجلٌ وقورٌ في الظاهر. رأيت ما لا يريد أحدٌ أن أراه، وسمعت ما لا ينبغي أن أسمع. وعندما سألوني، قلت الحقيقة بلا تجميلٍ. قالوا أنني مضطربةٌ، أتخيل. وبعد سلسلةٍ من الجلسات والتقارير، وجدت نفسي هنا.
في يومٍ سألني الطبيب :
– هل ما زلتِ مقتنعة أنكِ بخير؟
قلت:
– نعم.
قال مبتسمًا:
– هذا جزءٌ من المرض.
وأغلق ملفي ومضى.
تعلمت هنا أشياء لم أتعلمها في الخارج. تعلمت من سعاد أن الإنسان إذا فقد سلطته، اخترعها. ومن علياء أن الكلمة حين لا تجد من يسمعها، تتحول إلى صرخةٍ. ومن هدى أن الهدوء قد يكون أحيانًا شكلًا من أشكال المقاومة.
وفي إحدى الأمسيات، كنا نجلس في الفناء. قالت الخمسينية بصوت عالٍ:
– كلنا مجانين.
ضحك البعض.
فقلت دون أن أرفع صوتي:
– لا.
التفتوا إليَّ؛ ساد صمتٌ قصيرٌ، ثم عادت الأصوات كما كانت. فأدركت أن الجنون الآن ليس مرضًا واحدًا، بل تسميات متعددة لرفضٍ ما. من يرفض الكذب، ومن يرفض الخضوع.
حين أنظر من النافذة ، أتساءل:
من فينا المجنون حقًا؟ نحن، أم الذين يخافون أن يقولوا ” لا ” ؟
لكنني، للمرة الأولى ، لا أشعر هنا أنني غريبة.
