قصة قصيرة

بقلم سمير لوبه
يلقي الليل بظلاله الثقيلة على المدينة؛ تقترب الساعة من الثانية بعد منتصف الليل حين وصلت إلى محطة السكة الحديد ، على الرصيف الجانبي تلقي المصابيح بأضواء ترتجف من البرد ، سمعت هديره العميق قبل أن أراه ، يوشك على المغادرة، أبوابه مفتوحة تنتظر المتأخرين، في يدي حقيبة خفيفة ، وقفت على الرصيف أحدق في العربات المتراصة، أسمع صوت الصافرة الأولى تعلن أن الوقت يضيق، ترددت
*أأصعد؟
دقات قلبي تتسارع مع اقتراب الصافرة الثانية، الناس من حولي يهرولون، يركضون نحو العربات دون تفكير، يعرفون وجهاتهم مسبقا، أما أنا، عالق بين خطوة وأخرى، بين ماض يمسك بتلابيب روحي ومستقبل غامض يلوح لي من نافذة مضاءة
* أأترك كل ما أعرفه وراء ظهري؟
الصافرة الأخيرة تشق سكون الليل، تتقلص الفجوة بين القرار والندم، بيني وبين اللحاق بالقطار
*أأخاطر برحلة لا أملك لها خارطة ؟
في اللحظة الأخيرة، تحركت.. لكنني لم أقفز، وبدأ القطار يتحرك، تقدمت خطوتين، ثم الثالثة، مددت يدي نحو باب العربة الأخيرة، لكن الوقت خانني، رأيت الوجوه خلف النوافذ تبتعد، وصوت المحركات يبتلع كل الاحتمالات ، حين اختفى القطار في الظلام نظرت حولي، المحطة صامتة؛ فهي تألف تلك المشاهد منذ الأزل؛ هنا تتشابك الأقدار، وتتلاقى الأيدي لتفترق، وترحل الأرواح لتعود، الرصيف فارغ صامت، لم يبق سواي مع حقيبتي التي ما كانت يوما ثقيلة، لكنها الآن أشبه بصخرة على صدري، انتظرت طويلا .. رغم علمي أن القطار الآخر لن يأتي، ويظل في نفسي شيء من المشاعر العالقة تنتظر دورها في حكاية قادمة..
