
بقلم : أ.م.د. سهام عبد الباقي
رئيس قسم التاريخ والآثار
بالجامعة الاسلامية بولاية منيسوتا الأمريكية – الفرع الرئيسي
تحظى المٌعتقدات الشعبية الخاصة “بالتطيّر” بأهمية بالغة فى الثقافة الشعبية لأنها ترقى إلى مرتبة الإيمان أو الإعتقاد الشعبى المتوراث جيل بعد جيل والتطير كما ورد فى معجم المعانى من يتطيَّر، تطيُّرًا، والمفعول مُتطيَّر به،والمقصود به ما “نتشاءم منه، أو نتفاءل به”. وقد عٌرف التطيّر فى مٌختلف الثقافات وكافة العصور منذ بِدء الخليقة وإلى وقتنا الراهن وحتى قيام الساعة، وهو يعكس ردة فعل الإنسان مع البيئة المحيطة به وحوادثها التى عجز الإنسان البدائى عن إيجاد تفسيرات منطقية لها فقام بتفسيرها وفقَا لمشاعرة وتصوراته حتى باتت عقيدة لدية لا تقبل الشك، أو السخرية منها،أو التقليل من أمرها. وقد كان للعرب باعًا طويلاً فى أمر التطيّر وتأثرت به نظمهم الإقتصادية والسياسية كالحروب والغزوات، وكثير من الأمور المرتبطة بالشئون الداخلية والخارجية للقبائل كان يتم البت فيها من خلال التطيّر.حتى حرمته العقيدة الإسلامية لأنها قامت على العلم واعمال العقل والأخذ بالأسباب المادية وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: لا عدوى، ولا طيرة ،ولا هامة، ولا صفر، ويعجبني الفأل قيل: يا رسول الله! وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة. والمقصود بالعدوى هنا هو الأعتقاد الذى كان سائد لدى عرب الجاهلية بأن الأقتراب من المريض أو عودته يٌعد نذير شؤوم لأنه قد يصيب من يخالطه بالمرض، فالنبى لم ينفى وجود العدوى الفيروسية بدليل أنه ﷺ كان يأمر بالتباعد بين الناس والعزل فى المنازل فى زمن الأوبئة.
وعلى المستوى الشعبى إرتبط التفاؤل والتشاؤم أو”التطيّر” أو”الطيرة” بكثير من الحيوانات،والطيور، والأدوات والأفعال. كالتشاؤم من الكلب والقط الأسود لأنهما قد يحملان أرواحًا شيطانية وقد حذّر النبى من الكلب الأسود ولكن دون تعميم فكان التعميم من قِبل الثقافة الشعبية، كما تٌعدٌ رؤية الذبابة الخضراء فى المٌعتقد الشعبى نذير شؤوم للاعتقاد بأنها تؤدى إلى وفاة أحد أفراد المنزل ولهذا الإعتقاد أسباب علمية ومنطقية وأخرى ثقافية ،حيث يتغذى الذباب الأخضر على الجثث والجيف لذا فهو يتواجد بكثرة فى المقابر، أما السبب الثقافى فيرجع لتصور شعبى مفاده أن الأرواح تتنكر فى شكل ذباب أخضر فى المقابر لتٌرحب بالزائرين. ويٌعد أيضًا طائر البوم والغراب والقرد نذير شؤوم، بينما تٌعد طيور الحمام واليمام ” الجمرى” نذير خير وبركه، ويعد براز الطيور على الملابس في المعتقد الشعبي فأل حسن وطالع خير ودليل على الرخاء وسعة الرزق، وكذلك بول الرضيع كونه طاهر طالما كان إعتماده الأساسى على حليب أمه فقط دون إدخال طاعم آخر. كذلك كف المولود المفتوح يبشر بسعة الرزق لوالده. بينما يٌعد المقص المفتوح، والخياطة،والكنس ليلًا، والحذاء المقلوب نذير شئوم، ويَتيمّن كثير من المجتمعات بحدوة الحصان،والترسة وهى السلحفاة المائية،وقنديل البحر،ونجمة البحر،لذا يقوم الكثير من أبناء البيئة الساحلية بتحنيطهم ووضعهم أمام منازلهم أو فى محالهم التجارية جلبا للرزق والحظ . قس على هذا الكثير والكثير من الأمثلة. من أجل هذا كان التطيّر هو السبب الرئيسى والمباشر فى إتخاذ كثير من التدابير، والإجراءات الإحترازية فى الثقافة الشعبية مما يعكس خٌطورة المٌعتقدات الشعبية وما قد تسببه لدى البعض من هوس، أو هلع ربما قد يصل بهم إلى تعطيل حياتهم أو يؤجل، ويؤخر قراراتهم بموجب تلك المعتقدات التى لا سند عليها ولا دليل غير أنها أصبحت مترسخة فى الوجدان الجمعي للمجتمعات تزيد درجتها أو تقل وفقا لحالة المٌتلقى النفسية والوجدانية، ودرجة العقلانية التى يتعامل بها مع تلك المعطيات. ولا يقف الأمر عند مستوى علمي أو ثقافي معين فكثير من المتعلمين والمثقفين يقعون تحت طائلة التطيّر المحرم دينيًا ليظل الانسان آخذًا بالأسباب ومٌوكلها إلى ربها ومٌسببها. لكن يظل فى جانبا خفيا فى باطن بعض البشر ذلك الخوف والتوجس من الغد بصفته الشريان الذي لم يزل يغذي التطير ويجعل له مكانًا بارزًا داخل النسق الثقافي .
