
جمال رشدي
لم يكن باب المندب يومًا مجرد ممر ملاحي، بل ظل عبر التاريخ «مفتاح المفاتيح» للسيطرة على البحر الأحمر، وعنق الزجاجة الذي يحدد مصير التجارة العالمية، ومن خلفه قناة السويس، الشريان الذي ارتبط اسمه باسم مصر ودورها. ولهذا، كلما تعذّر كسر هذا الدور أو إخضاعه مباشرة، جرى البحث عن طرق التفاف، لا على القناة وحدها، بل على الجغرافيا التي تحميها.
في هذا السياق، تعود إلى الواجهة قضية ما يُعرف بـ«أرض الصومال»، إقليم انفصل عن الدولة الصومالية دون اعتراف دولي، وبقي لسنوات طويلة كملف مؤجل، لا يُفتح إلا حين تكتمل لحظة الاستخدام.
فالجغرافيا هنا ليست تفصيلاً، بل جوهر القصة: إقليم يطل على الضفة الجنوبية لباب المندب، ويتحكم في مدخل البحر الأحمر، ويقع على تماس مباشر مع أحد أهم شرايين الأمن القومي المصري.
انفصال هذا الإقليم لم يكن يومًا شأنًا صوماليًّا داخليًّا خالصًا، بقدر ما كان تعبيرًا عن فراغ سياسي جرى الحفاظ عليه بعناية. فراغ قابل للتوظيف، وإعادة التشكيل، واستخدامه كورقة ضغط في لعبة الأمم. ومن الخطأ قراءة هذا الملف بعيدًا عن تحركات إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي لم تُخفِ يومًا حلم الوصول إلى البحر، لكن التجربة أثبتت أن هذا الحلم لا يتحرك بإرادة مستقلة كاملة.
سابقة سد النهضة لا تزال حاضرةً بقوة، ليس فقط كمشروع مائي، بل كنموذج لتوزيع الأدوار في الإقليم. فحين يصرّح الرئيس الأمريكي الحالي بأن بلاده هي مَن قامت ببناء السد، فإن ذلك لا يُقرأ كزلة لسان، بل كإقرار صريح بطبيعة إدارة الملفات الكبرى في إفريقيا. ومن هنا، تبدو مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر أرض الصومال أقرب إلى تحرك مُدار من الخارج، يُستخدم في سياق ضغط غير مباشر على مصر، لا ضمن مشروع سيادي مستقل.
الاعتراف الإسـرائيلي بأرض الصومال أضاف طبقة جديدة من التعقيد.فهذا الاعتراف لا يمكن فهمه كخطوة دبلوماسية تقليدية، بل كتحرك استراتيجي محسوب، يستهدف الاقتراب من باب المندب، ومراقبة خطوط الملاحة، وبناء نفوذ يمتد من خليج العقبة إلى القرن الإفريقي. هو اعتراف من كيان لا يعترف أصلاً بحدود ثابتة، لكيان لا يمتلك دولة معترفًا بها، في مشهد يُجسد فراغًا سياسيًّا مزدوجًا، لكنه شديد الخطورة.
في المقابل، جاء الموقف الأمريكي أكثر براغماتية حين أعلن أن واشنطن لن تعترف بأرض الصومال «في الوقت الحالي». وهذه الصيغة، في قاموس السياسة الدولية، لا تعني الرفض، بل إدارة التوقيت.
بين اعتراف إسـرائيلي متقدم وتريّث أمريكي محسوب، تتضح ملامح تنسيق غير معلن، تُستخدم فيه الجغرافيا كورقة مساومة، وتُدار فيه الأدوار بعناية.
غير أن المشهد لا يكتمل دون طرح السؤال الأخطر، الذي يتجنبه كثيرون: هل يُعاد فتح ملف أرض الصومال فقط من أجل الملاحة والنفوذ، أم أنه يُجهَّز ليكون جزءًا من سيناريو أوسع يتعلق بتهجير سكان غزة؟
فمحاولة فرض التهجير القسري لم تكن مجرد فكرة عابرة، بل مشروعًا متكاملاً سقط بفعل الموقف المصري الصلب، ومع سقوط خيار سيناء، يصبح البحث عن «أرض بديلة» أقل حساسية سياسيًّا، وأكثر قابلية للتسويق الدولي، أمرًا متوقعًا في منطق القوى التي تدير الأزمات عبر تفريغها جغرافيًّا لا حلّها سياسيًّا.
هنا، تعود أرض الصومال إلى الواجهة بوصفها مساحة ضعيفة الاعتراف، قابلة لإعادة التشكيل الديموغرافي، بعيدة عن بؤرة الصراع المباشر، لكنها قريبة من شرايين التجارة العالمية. مجرد طرح هذا الاحتمال لا يعني الجزم بوجود خطة معلنة، لكنه يفرض نفسه كأحد السيناريوهات التي لا يمكن تجاهلها عند قراءة خريطة التحركات الحالية.
ويتزامن ذلك مع تراجع واضح في نفوذ القوى الأوروبية داخل القارة الإفريقية، ما فتح الباب أمام سباق نفوذ جديد بين القوى الكبرى، وتقاطعات مصالح تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الملفات المؤجلة، كأرض الصومال، عُملةً صالحةً للمساومة وتبادل الأدوار.
في مواجهة هذا المشهد المعقد، لا تحتاج مصر إلى ضجيج، بقدر ما تحتاج إلى إدارة هادئة وطويلة النَّفَس.
فالقاهرة تملك شرعية دولية راسخة للدفاع عن وحدة الدول، وتملك خبرة تاريخية تخول لها إعادة طرح أمن البحر الأحمر كأمن جماعي لا يحتمل العبث أو التفرد.كما أن تعزيز الحضور المصري في إفريقيا، سياسيًّا واقتصاديًّا وتنمويًّا، يظل أحد أهم مفاتيح تثبيت الدور ومنع تجاوزه.
التاريخ يعيد نفسه، وإن تغيّرتِ الأدوات، فمن السيطرة الاستعمارية على باب المندب، إلى صراعات النفوذ الحديثة، ظل الهدف واحدًا: التحكم في شرايين التجارة، والالتفاف على مصر كلما تعذَّر كسرها. وما يجري اليوم ليس صراعًا على إقليم يُدعى أرض الصومال، بقدر ما هو صراع على موقع مصر ذاته، ودورها الذي ظل، رغم كل التحولات، حجرَ الزاوية في معادلة الإقليم والعالم.
