
هدى حجاجي أحمد
قراءة نقدية في نص الشاعر يونان هومه

ثمة نصوص لا تُقرأ بوصفها قصائد فحسب، بل بوصفها صرخات وجودية تخرج من أعماق إنسان مثقل بأسئلة عصره. ونص الشاعر يونان هومه ينتمي إلى هذا النوع من الكتابة التي تتجاوز حدود البوح الشخصي لتصبح مرآة لوجع جماعي، حيث يمتزج الذاتي بالوطني، والفلسفي بالإنساني، والحلم بالخيبة.
يفتتح الشاعر نصه بصورة قاتمة ومكثفة:
“القلب الجريح
لا يستنشق سوى زفير الموت”
ومنذ هذه البداية يضعنا أمام حالة من الاختناق الروحي. فالقلب هنا ليس عضوًا نابضًا بالحياة، بل كائنًا محاصرًا بأنفاس الفناء. واختيار كلمة “زفير” يحمل دلالة عميقة؛ فالزفير هو النفس الأخير، وكأن الشاعر يرسم مشهدًا لإنسان يعيش في عالم فقد القدرة على استنشاق الأمل.
ثم ينتقل إلى تساؤل وجودي بالغ القسوة:
“هل هو الليل مَنْ يسعى لخنق البشر
أم أنّا قد ورثنا العقول المتفحّمة”
وهنا يخرج النص من دائرة الألم الفردي إلى مساءلة الواقع الإنساني كله. فالليل لم يعد مجرد زمن للعتمة، بل رمز لهيمنة الخوف والضياع، بينما تشير العقول المتفحمة إلى تراكمات فكرية ونفسية مدمرة، ورثها الإنسان حتى أصبحت جزءًا من وعيه الجمعي.
ومن أجمل مفارقات النص قوله:
“ذابت كلّ الأماني في ضحكة الفجر”
إذ اعتاد الشعر أن يجعل الفجر رمزًا للخلاص، لكن الشاعر يقلب الصورة التقليدية. فالفجر هنا لا ينقذ الأحلام، بل يذيبها. وكأن الواقع الذي يكشفه الضوء أكثر قسوة من ظلام الليل نفسه.
ويتخذ النص منحى أسطوريًا في قوله:
“أجول بحلمي
متقمصاً ملامح الثور المجنح”
والثور المجنح رمز حضاري عريق ارتبط بالقوة والحماية والحكمة. واستدعاؤه هنا يمنح القصيدة بعدًا ميثولوجيًا، حيث يحاول الشاعر أن يستعير من رموز الحضارات القديمة قوةً تمكنه من مواجهة واقع مأزوم.
ثم تبلغ القصيدة إحدى ذرواتها الفكرية:
“أهزُّ عرش الصمت
كي أدقّ ناقوس الخطر من الوباء الجديد”
فالوباء هنا لا يبدو مرضًا بيولوجيًا بقدر ما يبدو وباءً أخلاقيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا. والشاعر لا يكتفي بالرصد، بل يتحول إلى شاهد ومنذر يحاول كسر جدار الصمت الذي يحيط بالمشهد.
وفي المقطع التالي تتجلى الرؤية النقدية للنص:
“هذي ديارنا تكشف عن الحقيقة الناصعة
وسلوك القمر مبعث للتساؤل”
فالحقيقة موجودة أمام الجميع، لكنها تحتاج إلى من يقرأها. أما القمر، ذلك الرمز الشعري التقليدي للنقاء والجمال، فيتحول هنا إلى موضوع للريبة والتساؤل، وكأن الشاعر يشكك حتى في الأشياء التي اعتدنا الوثوق بها.
ويبلغ النص بعده الوطني والإنساني في صورة مؤثرة للغاية:
“وكالخروف الضال
أرقصُ على جراح الوطن خوفاً من النحر”
إنها صورة تجمع بين السخرية السوداء والمأساة. فالرقص فوق الجراح ليس فرحًا، بل محاولة يائسة للنجاة. والخوف من النحر يجعل الإنسان يتخلى عن احتجاجه ليؤدي رقصة البقاء. وهنا يلتقط الشاعر واحدة من أكثر مفارقات الواقع العربي إيلامًا؛ حيث يُجبر الإنسان أحيانًا على التكيف مع الألم بدل مواجهته.
غير أن النص لا يستسلم بالكامل للعتمة. ففي خضم هذا الخراب تبرز ومضة نقاء:
“صلاة العاشق
لا تنبثق إلا من القلب الأبيض”
وهنا يعود الشاعر إلى جوهر الإنسان. فالقلب الأبيض يصبح آخر معاقل البراءة وسط عالم يزداد قسوة. وكأن الخلاص الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من قدرة الروح على الاحتفاظ بنقائها رغم كل ما تعرضت له.
أما الخاتمة:
“وأنا الضحيةُ
أتلوّى من الطيبة المفقودة
أهدهدُ قلبي
لعلّه لا يخذلني”
فهي من أكثر مقاطع النص صدقًا وإنسانية. إذ يتحول الشاعر من دور المراقب إلى دور الجريح نفسه. لا يشكو من قسوة الأعداء، بل من غياب الطيبة، وكأن الفقد الأخطر ليس فقد الأحلام أو الأوطان، بل فقد الإنسان لإنسانيته.
فنيًا، يعتمد النص على لغة رمزية كثيفة، تمزج بين الصورة الشعرية والتأمل الفلسفي. كما يتنقل بين الخاص والعام بسلاسة، فيبدأ من القلب الفردي لينتهي إلى الوطن والإنسان والعالم. ويتميز كذلك بغناه الرمزي؛ فالليل، والفجر، والثور المجنح، والقمر، والخروف الضال، كلها رموز تتضافر لبناء رؤية شعرية قلقة ومتمردة في آن واحد.
إن قصيدة يونان هومه ليست مجرد نص عن الحزن أو الخيبة، بل هي رحلة في أعماق الوعي الإنساني المأزوم، وصوت يحاول أن يحافظ على بياض القلب وسط عالم تتكاثر فيه العقول المتفحمة. ولهذا تبقى القصيدة مفتوحة على التأويل، قادرة على أن تلامس وجع الفرد كما تلامس جراح الوطن والإنسانية معًا.
بقلم: الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد
========================
النص
القلب الجريح
لا يستنشق سوى زفير الموت
هل هو الليل مَنْ يسعى لخنق البشر
أم أنّا قد ورثنا العقول المتفحّمة
ذابت كلّ الأماني في ضحكة الفجر
أجولُ بحلمي
متقمّصاً ملامح الثور المجنّح
أهزُّ عَرْش الصمت
كي أدقّ ناقوس الخطر من الوباء الجديد
هذي ديارنا تكشف عن الحقيقة الناصعة
وسلوك القمر مبعث للتساؤل
مَنْ يدري ما هي الحيلة المرتكبة
وكالخروف الضال
أرقصُ على جراح الوطن خوفاً من النحر
صلاة العاشق
لا تنبثق إلّا من القلب الأبيض
وأنا الضحيةُ
أتلوّى من الطيبة المفقودة
أهدهدُ قلبي
لعلّه لا يخذلني
يونان هومه







