
د. محمد فتحي عبد العال
كتاب على هامش التاريخ والأدب
مقدمة :
المرأة النكدية مصطلح طاف بشهرته مشارق الأرض ومغاربها. البعض يتفق عليه والبعض يرفضه لكن ثمة دلائل من العلم تؤيده ففي دراسة أجراها الباحثون في عيادات Amen بولاية كاليفورنيا ونشرها موقع Medical news today في عام 2017 أظهرت زيادة نشاط الدماغ بين النساء بالمقارنة بالرجال في قشرة الفص الجبهي المرتبطة بالنبض وصنع القرار وفي مناطق الحواف المرتبطة بالقلق والمزاج والقلق وزيادة النشاط في هذه المناطق يفسر أعراض الاكتئاب الأكثر شيوعا لدى النساء والنكد من انعكاساته.
لم تغب هذه الظاهرة عن تاريخنا
ولنا في التاريخ حكايات وحكايات ومنها حكاية الست صفية.
الحب الأول:
أبطال حكايتنا من نجوم المجتمع المصري الطرف الأول هو الشيخ علي يوسف رجل متزوج على مشارف الاربعين وصحفي الخديو عباس حلمي الثاني خديو مصر والمقرب من دوائر النفوذ حول السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والرجل العصامي الذي خرج من ضيق العيش بقريته إلى رحابة الحياة وبحبوحة العيش بالقاهرة إنه اليوم ملء الأسماع في عالم الصحافة كونه مالك صحيفة المؤيد إحدى اشهر الصحف الوطنية في مصر والتي بلغت لب الشباب بشهادة الخديو عباس في مذكراته (عهدي) علاوة على ذلك فقد أسس الشيخ حزب الإصلاح عام 1906 على أسس دستورية لينخرط في عالم السياسة من كافة اتجاهاته.
أما الطرف الثاني فهي صفية ابنة الأربعة عشر ربيعا صغرى بنات الشيخ عبد الخالق السادات شيخ الطريقة الوفائية و حفيدة أبي الانوار السادات الذي عاصر الحملة الفرنسية على مصر وحكم محمد علي باشا لذا فهي تمثل طبقة الثراء والنسب والوجاهة الاجتماعية.
كانت بداية قصة الحب بين الشيخ علي وصفية عبر اتصال هاتفي بجريدة المؤيد تسأل فيه صفية عن ما إذا ثبت هلال رمضان أم لا؟ وكان مجيبها الشيخ علي نفسه والذي كان يقضي جم وقته في الجريدة فجمع الحب بين فؤاديهما من كلمات معدودات وتأججت المشاعر ومن ثم تحولت إلى خطابات ملتهبة بين الحبيبين كالتي عرضناها و كانت تحملها صديقتان انجليزيتان مؤتمنتان من العاشقين.
لماذا ؟:
لا ينبغي لنا أن نسرف في نعت هذه العلاقة بالعشق والحب الأفلاطوني المنزه فلا يخلو الحب من حسابات ومطامع فهكذا الحياة فالشيخ على يوسف رجل عركته الحياة ومثال للإعلامي المتلون بحسابات عصره وبمسميات عصرنا فهو مع الخديو في الخصومة والمصالحة مع الانجليز فصب عليهم جام ثورته وطالبهم بالجلاء حينما كان الخديو عباس حلمي الثاني على غير وفاق معهم ثم عاد ومدحهم وكأن شيئا لم يكن فوصف لوندرة (لندن) بكعبة السياسيين المصريين حينما حدث الوفاق بين الخديو و غورست المعتمد البريطاني . بالطبع العلاقة بالقصر والتحولات المتناقضة تبعا للمصالح تولد خصوم كتر وليس من السهل أن يتمادى في علاقة كهذه مع فتاة في سن المراهقة ومن عمر بناته دون حسابات دقيقة لأوجه النفع والضرر وتغليب إحداها وبالطبع كان النفع أعظم فالفتاة في مقتبل العمر وواجهة اجتماعية براقة بحكم تاريخ عائلتها مما يضيف إليه الكثير.
أما الفتاة الصغيرة فيمكن تفسير انجذابها بما تحدثت به دراسة أجراها باحثون بجامعة “تشارلز” التشيكية من أن النساء يميلن إلى الارتباط عاطفيًّا برجال يشبهون آباءهن في الشكل والشخصية، وأن النساء اللاتي نشأن في كنف آباء كبار في العمر يملن إلى الارتباط برجال كبار في السن.
الأب آخر من يعلم :
كشأن أي رجل وامرأة بهذه المكانة وفي هذا الزمن الكلاسيكي تعاهدا على الحب فلابد وأن يكون الزواج تتويجا للعلاقة ونهاية طبيعية لها. تقدم الشيخ علي يوسف للزواج من صفية وقدم المهر والهدايا والواضح أن الشيخ عبد الخالق قبل مرغما وعلى مضض في البداية حتى لا يكسر قلب ابنته الصغرى المدللة وهو ما يتضح من مماطلته في تحديد موعد الزفاف على الرغم من مرور وقت طويل على الخطبة.
ضاق الشيخ علي بالأمر فاتفق مع صديقه محمد توفيق البكري نقيب الأشراف وزوج ابنة الشيخ عبد الخالق في الوقت ذاته على وضع الشيخ عبد الخالق أمام الأمر الواقع وتزويج صفية من الشيخ علي في بيته وبحضور لفيف من العلماء وتولى الوكالة عن صفية الشيخ البارز حسن السقا.
استغل الانجليز الذين ناصبهم الشيخ علي العداء الطويل تعضيدا لسياسة الخديو المناوئة للانجليز في البداية كما أشرنا آنفا فسارعت صحيفة المقطم لسان حال الاحتلال بنشر الخبر في يوم الجمعة 15 يوليو 1904. جن جنون الشيخ عبد الخالق حينما قرأ خبر زواج ابنته دون علمه وتقدم ببلاغ يتهم علي يوسف بالتغرير بابنته لكن البلاغ حفظ لأنها ليست قاصر كما نشر بيانا في اللواء والأهرام يؤكد فيه أن الزيجة قد وقعت دون رضاه.
المحاكمة:
صمم الشيخ السادات على التفريق بين الزوجين فرفع دعوى أمام المحكمة الشرعية لتدور واحدة من أطرف المحاكمات في تاريخ مصر.
حاول الشيخ عبد الخالق الدفع بعدم الكفاءة بين الزوجين بشتى الطرق كسبيل للتفريق بينهما مستدلا بمذهب الإمام ابو حنيفة في وجوب الكفاءة بين الزوجين واستشهد على عدم تحقق هذا الشرط بثلاثة طرق بشهادة الشهود بأن أهل القرى والامصال في هذه الديار أعاجم وأن الشيخ علي من قرية بالصعيد تسمى بلصفورة أهلها كلهم أعاجم و الجد الرابع لعلي يوسف كان كتابيا واعتنق الإسلام وهو ما لا يتناسب مع شرف انتساب عائلة الشيخ السادات إلى نسل الحسين رضي الله عنه إضافة إلى وضاعة ودناءة مهنة الشيخ علي ألا وهي الصحافة فهي الجاسوسية العامة والمعدة للإشاعة وكشف الأسرار وقد نهى الله عن التجسس بقوله تعالى : ( وَلَا تَجَسَّسُوا)!!
حاول نقيب الأشراف بسوهاج تعضيد موقف الشيخ علي وقرر أن الشيخ علي يوسف من الأشراف وينتهي نسبه إلى الحسين . أما دفاع الشيخ علي فقد حاول النيل من نسب الشيخ عبد الخالق وأنه من نسل إحدى الجواري مستشهدا بتاريخ الجبرتي.
الطريف هو الطريقة الثالثة التي قدمها محامي الشيخ السادات للتأكيد على عدم الكفاءة وهي جهل الشيخ علي يوسف فاستعرض سقطات من كتابات الشيخ بجريدته المؤيد منها قوله :إن الله شرف القارة الأفريقية بالبيت الحرام والصواب أنه بآسيا مستدلا من ذلك أن الشيخ لا يعرف مواقع القارات كما استعرض خطأ آخر وهو تسميته لقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقلعة المعزية نسبة للمعز لدين الفاطمي!! وأن البيت الشعري لأبي نواس :(وإذا المطي بنا بلغن محمدا… فظهورهن على الرجال حرام) كان في مدح محمد الأمين ابن هارون الرشيد وليس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم كما كتب الشيخ علي في جريدته.
حكم القاضي الشيخ أبو خطوة بفسخ عقد الزواج وكان الحكم قاسيا لتضمنه عبارات أليمة نالت من كرامة الشيخ علي يوسف وذكرته بذل الفقر القديم وهي : (إن فقره في بدئه وإن زال عنه الآن باكتساب الغنى إلا أن عاره لا يزول عنه )! استأنف الشيخ علي الحكم لكنه مني بحكم مخيبا لآماله كسابقه. فبدأ يحرك الوساطات مع الشيخ السادات حتى وافق على الزواج في النهاية بعقد جديد.
كانت حادثة الزوجية أو عام الكفء كما أطلق عليه خصومه شديد الوقع على نفس الشيخ علي الذي أحس بالإهانة الشديدة وانكسار خاطره لولا أن جاءه إنعام السلطان عبد الحميد عليه بنوطي الامتياز الذهبي والفضي وهما من أرفع أنواط الدولة العلية في سبتمبر عام 1904 فانفرجت أساريره .
ردود الأفعال حول القضية :
لم يحدث في تاريخ مصر أن اتفقت القوى المحافظة والليبرالية على شئ مثلما حدث في قضية الشيخ علي يوسف وكأن جلهم قد اتفقوا على تركه لاقداره والشماتة به.
لقد كشفت القضية عن فجوة كبيرة بين الشيخ ومعاصريه أفضت إلى خصومات سياسية ومنافسات شرسة كان الوقت قد حان لتصفيتها ورد الصاع صاعين بين الشيخ وخصومه مع تصاعد وتيرة أحداث القضية.
محمد المويلحي صاحب المقامات الشهيرة ومنها حديث عيسى بن هشام نشر بيتين للشاعر الأحوص، حين زوَّجَ ابنتَه من شخص لا نسبَ له اسمه، مطر:
سلامُ الله يا مطرٌ عليها ……….. وليس عليك يا مطرُ السلامُ
فطلقها، فلستَ لها بكفْءٍ ……. وإلاّ يَعلُ مفرِقَك الحُسامُ
ولم يكتف بذلك بل نشر عددا من المقالات في مجلة مصباح الشرق تحت عنوان عام الكفء وذلك انتقاما من الشيخ علي يوسف لسخريته منه حينما اعتدى عليه أحد الشباب بلطمة فخصص علي يوسف للشعراء صفحة على المؤيد أسماها عام الكف للنيل من المويلحي والسخرية منه.
مصطفي كامل الزعيم الذي أيد الخديو عباس حلمي الثاني وكان أحد أذرعه في الدعوة للاستقلال في البداية كان مناصبا العداء للشيخ علي يوسف على طول الخط وقد تبنى في صحيفته اللواء الموقف الرافض لفعلة الشيخ بل وكان هذا الموقف سببا في الجفاء والقطيعة بين الخديو المعاضد للشيخ في قضيته ومصطفى كامل الذي رفض انحياز الخديو للشيخ كما ورد في مذكرات شفيق باشا.
نكد صفية:
كفاح طويل و صراع مرير تكلل بالزواج أخيرا لابد أن تنضح هذه النهاية بالسعادة والهناء فيما هو آت لكن حال بطلينا كان على النقيض.
أصبحت صفية المرأة النكدية التي لا تتوقف عن معايرة زوجها بالفارق الاجتماعي بينهما حتى لزم عادته القديمة في البقاء بمكتبه بالجريدة طوال الوقت.
وحتى يستريح من لسان صفية الذي لا يرحم بذل مساعي داؤوبة في الالتحاق بالأشراف ليقترب من نسبها وبالفعل أسند إليه الخديو عباس مشيخة السجادة الوفائية عام 1912حتى عاجله القدر بعدها بعام تاركا صفية أرملة بالعشرينات من عمرها .
