
محمود عابدين
خبر كارثي بكل المقاييس وقعت عيني عليه يتلخص في ” القبض على طبيب مصري، ويدعى: يدعى أشرف عمر الضرير، استطاع أن يُهرب ( ٦٠٠ قطعة أثرية ) من حضارة بلده إلى أمريكا عبر مطار القاهرة… !!
طيب ازاي…..؟؟!!.. لأ والمضحك – المبكي في هذا الخبر أن أمن مطار جون كينيدي في نيويورك هو الذي ألقى القبض عليه وقدمه للمحاكمة وليس أمن مطار القاهرة…!!.. والسؤال هنا: هل هذا اللص مصري الجنسية فعلا…؟؟!!.. أشك.. بل وأعتقد أنه من نسل أجنبي ( مرتزق ).. يعني لا يمكن يكون مصري…!!
مثله في ذلك مثل بقية اللصوص الكبار والصغار الذين هربوا حضارة بلدي للخارج بمقابل مادي رخيص برخص دماء عروقهم وشرفهم وكرامتهم وعِرضهم.. هذه الكارثة تم نشرها بتاريخ 1 سبتمبر من نفس العام 2025على عدد كبير من المواقع الالكترونية تحت عنوان ” الحكم بالسجن على طبيب مصري إثر تهريبه 600 قطعة أثرية إلى أميركا “.
المهم، تضمن نص الخبر “حكمت محكمة فيدرالية في نيويورك، على “الضرير” بعد أن تمّ إلقاء القبض عليه قبل خمس سنوات، بالسجن 6 أشهر إضافية، بتهمة تهريب مئات القطع الأثرية إلى الولايات المتحدة، من دون التصريح عنها في نماذج الجمارك، بحسب موقع “Art news” الأميريكي، وذلك بعد أن كشف تحقيق نقل 600 قطعة أثرية مصرية إلى الولايات المتحدة على متن رحلات جوية من القاهرة إلى مطار جون كينيدي في نيويورك، عام 2019 وأوائل عام 2020.
وكانت محكمة جنايات القاهرة، قد أدانت “الضرير” فى إطار قضية الآثار رقم 11423 لسنة 2022 وحكمت على 3 متهمين بالسجن المشدد 7 سنوات، والغرامة مليون جنيه، وبراءة 3 آخرين، وقالت الصحيفة إن الحكومة المصرية صادرت أصوله وجمّدت حساباته المصرفية، ووفقًا لأوراق المحكمة، عمل
“الضرير” مباشرةً مع لصوص المقابر في مصر للحصول على القطع الأثرية، ووفقًا لوثائق المحكمة، سلَّم “الضرير” الآثار إلى دور المزادات التالية في مدينة نيويورك: بالميرا هيريتدج، وآرتي بريميتيفو، وكريستيز.
كما سبق وقضت محكمة جنايات شمال القاهرة، المنعقدة في العباسية منذ 5 سنوات تقريبا، بمعاقبة 12 متهما بينهم أمريكي و11 مصريا، بالسجن المؤبد وغرامة 10 ملايين جنيه، لاتهامهم بـ تهريب آثار مصرية، في أكبر قضية تهريب آثار، بعدما تم ضبط الأمريكي داخل مطار جون كينيدي، ومعه تلك القطع الأثرية، مغلفة في 3 حقائب كان في طريقه إلى نقلها لولاية نيويورك بهدف بيعها، ومن بين المضبوطات قطع تعود إلى ما يزيد على 4 آلاف عام.. وهنا نطرح السؤال الأهم: إذا كانت هذه الجريمة قد تم الكشف عنها في أمريكا – كما ذكرنا من قبل وليس في مصر – فكم جريمة مثلها تمت دون الكشف عنها طالما لم تكتشف في الدولة المراد تهريب آثارنا فيها…. ؟؟!!
في هذا السياق، كنت قد كتبت مقالا بتاريخ 23 يونيو 2021 بعنوان “مصر.. وحضارة وادي النيل” ، ذكرت فيه ان التنافس بين الدول الاستعمارية لم يقتصر ـ وخاصة إنجلترا وفرنسا ـ على احتلال الدول التي أمرضتها الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، ثم تركتها مكسورة الجناح، ولكن امتد التنافس بين هذه الدول على سرقة ونهب آثارها الظاهرة، أو المدفونة في باطن أراضيها، وتعتبر مصر من أهم الدول التي جرت على أرضها مؤامرات عدة ـ بين الإنجليز والفرنسيين على وجه التحديد ـ لنهب آثارها وتهريبها إلى الخارج، وللأسف فقد ساعدهم على ذلك بعض أهالينا من الخونة واللصوص والمجرمين معدومي الضمير والوطنية.
ومما يؤسف له ان بعض الجهلاء من أهالينا كانوا يستخدمون المومياوات الفرعونية، أو أوراق البردي التي يعثرون عليها هنا وهناك في إشعال مواقدهم وما إلى ذلك، دون الوقوف على الأهمية التاريخية لكل حجر أو مومياء أو ورقة بردي حقيقية أو تابوت يُسرق أو يُنهب أو يُباع للسائحين والمغامرين، مما دعا إلى القول إن بعض المصريين كانوا هم أنفسهم عاملاً في تدمير آثارهم على مر العصور سواء بدافع البحث عن ذهب وجواهر وكنوز، أو بوازع ديني باعتبارها آثارا وثنية….. !!
وقد صدر منذ عقدين من الزمن تقريبًا – ضمن الأعمال الفكرية التي قدمها مهرجان القراءة للجميع بمكتبة الأسرة 2002 – مؤلف مهم جدًا بعنوان “سرقة آثار وادي النيل”، يتناول حقائق تاريخية وحيوية، من تأليف أثري غربي مهتم بالشأن الأثري العالمي يُدعى “بريان م. فاجان”، قام بترجمته مشكورًا دكتور. أحمد زهير أمين، وراجعه دكتور. محمود ماهر طه، وجاء الكتاب في حوالي 400 صفحة من القطع الكبير، ومزود بملاحق للصور (أبيض وأسود) وقعت في حوالي 50 صفحة.
يبدأ الكتاب بعبارة من سفر الخروج 22:3 يُفهم منها أن “سرقة أو سلب اليهود للمصريين شيء مباح”، تقول العبارة: “بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهبًا وثيابًا، وتضعونها على بنيكم فتسلبون المصريين”……!!
وحتى لا يتوه القارئ في غابات الأسر الفرعونية وعصورها المختلفة، فقد أورد الكتاب جدولًا أو تقويمًا تاريخيًا للأسرات المصرية والفراعنة، والأحداث الرئيسية، والتطورات الثقافية بمصر القديمة، كما ينقسم سيناريو السرقة في هذا المؤلف إلى ثلاثة أجزاء:
– الجزء الأول يتناول المقابر والسائحين والكنوز.
– الجزء الثاني يتحدث عن المهرِّب الأكبر الذي طغى على الجميع، ويقصد به لاعب السيرك، وهو لص إيطالي يُدعى جوفاني باتيستا بلزوني، والذي يصفه بعضنًا – للأسف الشديد جهلًا أو خبثًا – بـ “خبير أو عالم أثار”…..!!
– الجزء الثالث يتحدث عن تخريب الآثار المصرية بشكل غير مسبوق تاريخيًا، ثم خاتمة، فملحق المفردات والصور، لذا سنلقي الضوء على بعض مقتطفات منه لكشف بُعد ضئيل جدا من مؤامرة كبيرة وخبيثة تعرضت لها حضارتنا ومازالت على يد لصوص الآثار الذين سوقوا أنفسهم فيما بعد على أنهم “علماء، وخبراء، وتجار آثار…..!!
لذا يمكننا القول إن “معظم أساليب النهب، والسرقة لآثارنا التي لا تقدر بثمن، لا تخرج عن السيناريو الذي اتبعه الرسام، أو اللص هوارد كارتر – مكتشف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 – والذي يلقبه بعضنا – للأسف الشديد أيضًا – بـ “عالم آثار، وكذلك مموله اللورد الصهيوني كارنرفون، وابنته ليدي إيفيلين، وصديقه عالم المصريات كاليندر، بشهادة الكاتبين البريطانيين” أندرو كولينز وكريس أوجيلفي هيرالد ” في كتابهما الذى حمل عنوان ” توت عنخ آمون .. مؤامرة الخروج “، عندما قالا فيه بالحرف:
– “إن كارتر و كارنرفون كتما أسرارًا تكشف ” قصة الخروج اليهودي من مصر “، وهي القصة التي تتناقض مع الوقائع والشكل المذكورين في التوراة…..!!
نعود مرة أخرى لكتاب “سرقة آثار وادي النيل”، لنقرأ فيه أن” اجتماعًا سريًا وسط الصخور، قد تم ونتج عنه الاتفاق على رشوة حراس المقابر أو تخديرهم، ثم الشروع في نبش القبور في الظلام، والتسلل إلى حجرات الدفن، والبحث عن كل ما خفَّ حملُه وغلا ثمنُه في ضوء الشموع الخافت، وأخيرًا الرجوع بالغنيمة…..!!
ولعل السجل الضخم “وصف مصر” الذي أعدته البعثة الفرنسية، المصاحبة للغازي الفرنسي الجنرال نابليون بونابرت في حملته العسكرية على الشرق (1798 ـ 1801) عن مصر القديمة، أشعل حماس قارة أوربا بالكامل نحو حضارة وكنوز مصرنا الحبيبة، وقد ظهر هذا الإبهار جليًا أثناء زيارة أحد القساوسة ويدعى “الأب جيرامب” مصر سنة 1833، حينها قال للوالي محمد علي باشا: “لم يكن مَنْ يزور مصر يحوز الشرف إلا إذا كان يحمل مومياء في إحدى يديه، وتمساحا في الأخرى…..!!
والواقع أنه في زمن الأب جيرامب هبَّتْ موجة عارمة من التنافس على سرقة حضارتنا العظيمة تحت غطاءات مختلفة ومفتعلة؛ شملت جميع الدبلوماسيين، والنبلاء، والسائحين، والتجار الأجانب، وذلك بهدف جمع أكبر عدد من المومياوات وغيرها من الآثار المصرية، وأصبحت هذه السرقات لأعرق حضارة عرفتها البشرية، موضة لنماذج مصرية حتى في المعمار…..!!
وفي الوقت الذي كان فيه لص الآثار المصرية الفتى شامبليون عاكفًا على فك شفرة الأبجدية الهيروغليفية من خلال مخطوطة العالم الكيميائي واللغوي العربي ابن وحشية النبطي بعنوان “شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام”، وهو كتاب يتناول 89 لغة قديمة وكتاباتها ومقارنتها بالعربية، ومن ضمنها اللغة الكردية والهيروغليفية، كان السائحون غارقين لأذقانهم في نهب كنوزنا التي لا يعرفون عنها إلا أقل من القليل، وهم على كل حال لفتوا أنظار العالم إلى أهمية التراث المصري العظيم منذ زيارة أبو التاريخ الإغريقي “هيرودوت”، غير أن أمر الاهتمام بمصر وآثارها، وتاريخها لم يبدأ منذ الحملة الفرنسية، ولكنه بدأ قبل ذلك بكثير، وهذا رأي محمود رغم أنه مخالف لما أكده بعض أهل الاختصاص.
ومنذ أيام هيرودوت – الذي عاش بمصر خمس سنوات (460 ـ 455 ق.م) وكان مؤمنًا أن “مصر أصل كل شيء”، وقد عشق هيرودوت صعيد مصر ومكث فيه سائحا لفترة طويلة من خلال النيل، كما قدم وصفًا لمصر وتاريخها؛ يُعد هو الأقدم على الإطلاق، ولكن اختلط فيه التاريخ الصحيح بالخرافات بالأساطير، خصوصًا ما روجه عن الأهرامات من إسراف زائد، واستعراض غبي للثروة.
ومع قدوم الرومان إلى مصر، أخذ السائحون يتدفقون بالآلاف، ينشدون العلم والثقافة والتسلية، وهذا في حد ذاته كان سببًا في العبث بالآثار المصرية وإتلافها، وقد وصل الأمر إلى أنهم فُتحتوا معظم مقابر وادي الملوك ونُهبوها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تسلل عدد من السائحين إلى حجرات دفن ملوك الفراعنة المنحوتة في الصخور، حبًا في المغامرة ربما…..!!
كما سجل بعض هؤلاء، أسماءهم على جدران تلك الآثار في ضوء الشموع بعدما انتهكوها وأتلفوها، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن تحديد ما أتلفه الرومان من آثار مصر، فليس هناك ما يدل على سوق رائجة لتجارة الآثار في ذلك الوقت، كما استهوى الرومان المسلات الجرانيتية، فاستولوا على عدد كبير منها، في حين أن الأهرامات لم تستهوهم، إذ أنهم كانوا يروا في “الأهرامات إسرافًا زائدًا، واستعراضًا غبي للثروة قام به الفراعنة”…..!!
أما الإمبراطور هادريان فقد كان يشتري آثار مصر لتجميل حدائقه في مجاورة آثار الفن الإغريقي، وبدخول المسيحية مصر، اعتبر البعض نقوش المعابد نوعًا من الشرور التي تجر إلى الخطيئة، مما أدى إلى التخريب المتعمد لآثار مصر انتصارًا للديانة الجديدة، وعلى سبيل المثال في سنة 397 م جرى تخريب متعمد للسيرابيوم بمدينة منف على يد البطريق (القائد) المتعصب سيريل وجنوده، ثم أُهمل حتى غطته الرمال، فلم ير النور مرة أخرى إلا في القرن التاسع عشر، ثم جاء الفتح العربي، وتسلل بعض العرب إلى الهرم بحثا عن كنز مزعوم…..!!
ومن ثم جاء ظن البعض أن الأهرامات تحوي كنوز الفراعين القدامى، كما أنهم حطموا بعض المعابد للبحث عن تلك الكنوز، ثم استخدم العرب: المعابد والأهرامات ـ بعد ذلك ـ كمحاجر باعتبارها موردًا سهلًا للحجارة المطلوبة للبناء، وعلى سبيل المثال استخدم في بناء مدينة الفسطاط كسوة الأهرامات وحجارة المعابد والمقابر القريبة لتأسيس العاصمة الجديدة، وفي هذه المرحلة ازدهرت فكرة الاستيلاء على المومياوات، فكان الأهالي ينتهكون المقابر القديمة للحصول عليها، بغرض استخراج الزفت أو القطران الذي كان يُستخدم – بحسب معتقداتهم – في علاج الجروح والكدمات والغثيان والكسور وغيرها، والذي استخدمه المصريون القدماء في تحنيط الجثث.
أحد المؤرخين العرب قال عن عملية السطو على المومياوات: “قُبض على مَنْ جمع كثيرًا من الجثث، ومثلوا أمام العمدة، وضُربوا حتى اعترفوا بأنهم تعودوا الاستيلاء على الجثث من المقابر، ثم غليها في الماء على نار حامية حتى يقطع لحمها، بعدها يجمعون الزيت الطافي (القطران) على سطح الماء ويبيعونه للفرنجة الذين كانوا يدفعون 25 قطعة ذهبية لكل مائة وزنة منه”…..!!.. وللحديث بقية.
