
بقلم: أ.م.د. سهام عبد الباقي
رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية – مينيسوتا
الزواج رباط مقدس يربط بين شخصين، وعلاقة متينة، وشراكة دائمة بٌنيت على المودة والرحمة وحسن التّبَعٌل. لذا، فهو منحة عظيمة ومنة كبيرة من الذات الإلهية للبشرية. وفي لغتنا الجميلة، يٌطلق على الزواج اقتران، ويوصف الزوجان بالقرينة والقرين، بمعنى الجمع بينهما في عَلاقة دائمة تصل بهما إلى الامتزاج ، وتحقق لهما الإشباع النفسي والوجداني والعاطفي والحسي. يتكاتف الزوجان معًا في تحمل مسؤوليات الحياة، ويواجهان مصاعبها ويتشاركان أوقاتها السعيدة. يحملان أمانة ومسؤولية تربية الأبناء، ويتعهدانهم بالرعاية والتنشئة، وهي تجربة ممتزجة بالتعب والمعاناة والمتعة والسعادة في ذات الوقت. وكلما زادت التحديات التي تواجه الأسرة، زادت الحاجة إلى التفاهم والتواصل والتعاون بين الزوجين وكلما زادت متطلبات الحياة زادت أعباء الزوجين، وبٌذلت التضحيات لبلوغ مستوى مرضٍ من حياة كريمة. وفي تلك المرحلة يكون الزوجان في أمس الحاجة للدعم المعنوي والعاطفي من بعضهما البعض، فهو بمثابة المدد الذي يَشحذٌ طاقتهما ويرفع همتهما، ويٌثير فيهما الشغف والرغبة في الكد والاجتهاد، فيتحول معه التعب إلى لذة ومتعة؛ لأن نفعه يعود على الأسرة.
في تلك الفترة الهامة التي يعمل فيها الشريكان من أجل البناء وتحقيق الأهداف المشتركة، يكون من طبيعة تلك المرحلة أن ينشغل كل منهما أو أحدهما عن الآخر. وكثيرًا ما تسقط بعض الزوجات و بعض الأزواج في الفخ الذي يطلقون عليه “روتينية العلاقة الزوجية”، فتشعر الزوجة بافتقارها لاهتمام الزوج أو أنها لم تعد ذات قيمة لديه بمرور الوقت وتقدم العمر، أو يشعر الزوج بأن ما كان يحظى به من رعاية واهتمام أصبح حكرًا للأبناء، وأنه قد توارى في الظل وتحول إلى وسيلة لتأمين متطلبات أسرته فقط، فيشقى. وأحيانًا ما تٌقارن الزوجات صغيرات السن وحديثات العهد بالزواج علاقتهن الزوجية بعلاقات محيطة في وضع اقتصادي أفضل، فيحدث تخبط لديهن ويتهمن الزوج بالتقصير في الايفاء بمتطلباتهن، وبعضهن أيضا تقسن بين ما تراه من أعمال درامية عبر شاشات التلفاز من علاقات رومانسية بين الأزواج الرأسماليين وبين واقعهن البائس مع الزوج المكافح الذي يكد ويكدح ويضحي بصحته بالجمع بين أكثر من عمل لتأمين حياة كريمة، فتٌزيد من شقائه باتهامها له بالتقصير بحقها، جهلاً منها بأنها رٌزقت بطلاً ومناضلاً ضحى بوقته وبراحته من أجل رفاهيتها. نظرًا لافتقار كثير منهن للتأهيل والتوعية بمتطلبات الحياة الزوجية قبل الزواج ، وهذا واجب منوطة به الأسرة. لذا فالأزمة أزمة وعي وفهم بالواقع المحيط بالعلاقة الزوجية، فتتم برمجة اللاوعي بأفكار هدامة، يترتب عليها تصدير طاقات ومشاعر سلبية هي في جوهرها – لو أمعنا النظر- تعكس حاجة الزوجين للوصل والتفاعل، واحتياجهما مساحة من القرب يتحقق فيها الإفراغ النفسي والعاطفي في ظل هذا الركض والاستغراق في متطلبات الحياة. فإذا غفل عن ذلك أحدهم وشذ، وجب على الآخر تنبيهه وجذبه بلطف وود وحب. فالعلاقة الزوجية قد تتشابه في مراحلها العامة، لكن تبقى لكل زوجين لحمتهما وتجربتهما الفريدة، فهي كبصمة الأصبع لا تتكرر ولا تتطابق، ولأنها تجربة شديدة الخصوصية، ليس لها كتالوج.








