
كتبت : ھدى حجاجي احمد
سجناء العتمة: أسرار لا تُرى
الفصل الأول
“لا أحد يرفع رأسه هنا.”
هذه أول قاعدة تعلمتها حين كنت طفلًا، وأول شيء نسيته حين كبرت. لا تنظر للأعلى، لا تحدّق طويلًا، لا تسأل. المدينة لا تحب العيون الفضولية، و”الظل” يكره من يحاول أن يرى أكثر مما يجب.
الأبراج تمتد إلى السماء، لكن بلا نوافذ. الواجهات صمّاء، كأنها جدران مصممة لإخفاء ما خلفها. المصابيح في الشوارع خافتة، كأنها تخشى أن تضيء أكثر من اللازم، كأنما هي جزء من الظلام الذي يحيط بنا. الهواء ثقيل، ليس بسبب الدخان أو التلوث، بل بسبب صمت قاتل. حتى الرياح تمرّ بخفّة، وكأنها تخشى أن تُصدر صوتًا في غير محله، كأنها تسرّب تفاصيل العالم الخفي الذي نعيش فيه.
في هذه المدينة، الخوف ليس شعورًا، بل قانون. الناس هنا لا يعبثون بالحياة. يمرّون على أطراف أصابعهم، متجنبين كل ما قد يثير انتباه “الظل”. وحتى العيون، تلك التي عادة ما تعكس مشاعر صاحبها، تتحوّل إلى فراغات متجاهلة، كأنها تهرب من الحقيقة.
أرى ذلك في وجوه الناس كل يوم. العيون الغائرة، الأكتاف المنحنية، الأقدام التي تمشي بحذر وكأن الأرض مصيدة. الجميع يحاول أن يكون غير مرئي، أن يكون جزءًا من الخلفية، أن يمرّ اليوم بسلام. حتى الضحك، ذلك الصوت البسيط الذي يملأ مدن العالم الأخرى، هنا ممنوع… ليس بحكم القانون، بل بحكم الغريزة.
عندما كنت طفلًا، سألت أمي:
“لماذا لا يضحك أحد هنا؟”
أمسكت يدي بقوة، قوة لم أفهمها وقتها، وهمست:
“لأن الضحك يعني أنك نسيت الخوف… والظل لا يحب من ينسى.”
لم أفهم ما قصدته حينها، لكنني فهمت لاحقًا.
❖ ❖ ❖
كنت أسير في الشارع، كانت قدمَيّ تُطأ على الأسفلت المظلم، الذي تلطخه البقع الداكنة من ماء المطر. فجأة، لاحظت شيئًا غريبًا، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة، كأنني دخلت في مكان آخر، حيث تبدو التفاصيل بعيدة، في تلك اللحظة، رأيته.
رجل في منتصف العمر، يمشي أمامي، في خطوات ثقيلة ومتعجلة، كان يبدو عاديًا في البداية، إلا أن شيء ما كان غير طبيعي. عينيه كانت في الأرض، ويداه على معطفه كما لو أن الريح تحاول انتزاعه منه. توقف فجأة، وكأن شيئًا أمسك به. التفتُ نحوه، في اللحظة التي كان يجب أن أنظر فيها بعيدًا.
الضباب الأسود كان هناك.
ليس ضبابًا عاديًا، لا دخان ولا غبار، بل شيء حيّ. كان يتسلل بهدوء، يلتف حول جسده كما يلتف الحبل حول رقبة محكوم بالإعدام. لم يصرخ، لم يقاوم، فقط اختفى. كما يختفي شيء ما في فراغ عميق.
أغمضت عينيّ للحظة، وعندما فتحتهما، لم يكن هناك سوى شارع فارغ، كأن الزمن نفسه قد توقف. لم يتوقف أحد، لم يلتفت أحد. الناس ساروا كما لو أن شيئًا لم يكن، وكأن اختفاء الرجل أمرًا عاديًا.
ربما كنت أحلم!
❖ ❖ ❖
حين عدت إلى منزلي تلك الليلة، كان الهدوء يضغط عليّ أكثر من أي وقت مضى. كان الجو حارًا، غير أنني شعرت بالبرد، البرد الذي يتسلل إلى الأعماق. هناك شعور غريب، وكأنني اقتربت أكثر مما يجب من الحقيقة. شعرت أن المدينة بأكملها تراقبني، كأنني غير مرئي، لكنني لا أستطيع الهروب.
من نافذتي الضيقة، رأيت الأفق البعيد… أو ما تبقى منه. أرى البحر، لكنه ليس بحرًا مائيًا، بل بحرًا من الظلام. المدينة غارقة في سواد عميق، والسماء بلا نجوم، كما لو أن الليل نفسه قد قرر أن يبتلع كل شيء. مصابيح الشوارع، التي كانت تضيء في الزمان البعيد، الآن مجرد بقع شاحبة، تُلقي الضوء على الفراغ.
تسللت يدي إلى سترتي، ولامست شيئًا صغيرًا، شيء لا يعرف أحد أنني أملكه. لا أحد يعرف، حتى “الظل” نفسه.
قطعة قماش صغيرة، ذهبية اللون، مشبعة بحرارة الشمس… آخر أثر تركته لي أمي قبل أن أفقدها.
❖ ❖ ❖
أنا إسماعيل. لا أذكر متى بدأت أشعر بأن المدينة تراقبني. ربما كان ذلك حين كنت طفلًا، حين كنت أرفع رأسي أكثر مما ينبغي، حين لم أتعلم بعد أن العيون يجب أن تظل في الأرض، أن الألسنة يجب أن تظل معقودة.
“لا تنظر طويلًا، يا بني.”
كانت تلك كلمات أبي، الهمس الذي قاله وهو يشدني من يدي حين وقفنا أمام الجنود في السوق. لم أفهم حينها، كنت أظن أن العالم بسيط، أن الظلم يمكن رؤيته ولمسه، أن الأشرار لهم وجوه واضحة يمكن بصقها أو تحطيمها بقبضة قوية. لكنني كبرت، وفهمت.
المدينة لا تحتاج إلى جدران عالية لتكون سجنًا.
هنا، في هذه الشوارع الضيقة، نعيش كأنفاسٍ محبوسة في صدرٍ لا يريد الزفير. الأزقة طويلة، متشابكة كالأوردة في جسد مريض، تفوح منها رائحة الرطوبة والخوف القديم. المباني متلاصقة، تتكئ على بعضها البعض كرجال أنهكهم العمر، جدرانها رمادية، تتقشر كأنها تحاول أن تخلع جلدها هربًا من القهر.
وفي مكانٍ ما، في أحد هذه الشقوق التي يسمونها منازل، أعيش أنا.
❖ ❖ ❖
من نافذتي، يمكنني رؤية السطح المتآكل للمبنى المقابل، حيث يجلس القط العجوز الذي لا يملك اسمًا. لا أحد في هذه المدينة يسمي القطط، لأن الأسماء تعني التعلق، والتعلق يعني الحزن عندما يختفي الشيء الذي تحبه. وهذا القط، مثلنا جميعًا، سيختفي يومًا ما.
كان يومًا طويلًا، أطول مما يجب.
أقف أمام باب الغرفة حين أسمعها. الطَرقات المعتادة، الخفيفة، المترددة. أم فوزية.
“إسماعيل، بني، هل أنت هنا؟”
أفتح الباب قليلًا، فأرى وجهها المتجعد تحت ضوء المصباح الضعيف في الممر. امرأة نحيلة، رأسها ملفوف بوشاحٍ قديم، وعيناها تحملان تعب السنين التي لا تنتهي. في يدها طبق صغير، رائحته تكشف أنه حساء العدس المعتاد.
“جلبت لك شيئًا تأكله.”
أحاول أن أرفض، لكنها تدفعه نحوي، تنظر إليّ بنظرة لا تسمح بالمجادلة.
“أنت لا تأكل جيدًا، بني. أصبحت نحيلًا كعود قش.”
أضحك بهدوء، صوتي يشبه الهواء الخارج من نافذة مغلقة.
“أنا بخير، يا خالة.”
“لا أحد بخير في هذه المدينة.”
ثم تهمس، كما تفعل دائمًا عندما تقول شيئًا لا يجب أن يُقال:
“لكننا نحاول.” أم فوزية هي أقرب شيء إلى العائلة لديّ. منذ اختفى والداي، وهي التي تأتي كل ليلة تقريبًا، تحمل طبقًا من الحساء، تهمس ببضع كلمات، تراقبني للحظات قبل أن تعود إلى غرفتها في نهاية الأمر
