
عوني سيف ، القاهرة
تعتبر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من أقدم الكنائس في العالم، وتحمل في طياتها تاريخًا عريقًا من الإيمان والاستشهاد والنسك. ولا يقتصر هذا التاريخ على النصوص والطقوس فحسب، بل يمتد ليشمل أماكن مقدسة تضم بعض رفات القديسين والبطاركة ورجال الكنيسة الذين تركوا بصمة لا تُمحى في التاريخ القبطي. فزيارة مزارات قبور هؤلاء الأعلام تمثل رحلة روحية عميقة تغذي الإيمان وتذكر بالتضحيات التي بُذلت من أجل الحفاظ على العقيدة.
أهمية المزارات في الكنيسة القبطية:
تعتبر زيارة المزارات في الكنيسة القبطية جزءًا لا يتجزأ من التراث الروحي والطقسي. فمن خلال هذه الزيارات، يسعى المؤمنون المسيحيون الأقباط الأرثوذكس ، كما يعتقدون إلى:
نيل البركة: يعتقد البعض أن زيارة قبور القديسين ورجال الدين تمنحهم البركة والشفاعة.
التأمل والخشوع: توفر هذه الأماكن أجواءً من الهدوء والسكينة تساعد على التأمل في حياة هؤلاء الأعلام والاقتداء بهم.
تجديد الإيمان: تذكر الزيارة بتضحيات الشهداء وثبات القديسين على الإيمان، مما يعزز الإيمان والثبات على القيم المسيحية.
التواصل مع التاريخ: تساعد هذه الزيارات على فهم تاريخ الكنيسة القبطية وتراثها الغني.
* أمثلة لأبرز مزارات قبور قديسين الكنيسة القبطية:
مزار القديس مار مرقس الرسول بالكاتدرائية المرقسية بالقاهرة: يعتبر هذا المزار من أهم المزارات في الكنيسة القبطية، حيث يضم رفات القديس مار مرقس، كاروز مصر.
مزار القديس الأنبا أنطونيوس بدير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر: يعتبر هذا المزار من أقدم المزارات الرهبانية في العالم، ويضم رفات القديس الأنبا أنطونيوس، أبو الرهبان.
مزار البابا كيرلس السادس بدير مار مينا العجائبي بمريوط: يعتبر هذا المزار من المزارات الحديثة نسبيًا، ويضم رفات البابا كيرلس السادس، الذي يعتبره الكثيرون قديسًا معاصرًا.
مزار الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بالدير الأبيض بسوهاج: يضم رفات الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، والذي كان له دور كبير في بداية الرهبنة المصرية.
مزار القديسة دميانة وأربعين عذراء ببراري بلقاس: يعتبر هذا المزار من المزارات المهمة التي تشهد إقبالًا كبيرًا من الزوار، ويضم رفات القديسة دميانة وأربعين عذراء استشهدن في العصر الروماني.
* و على النقيض قبر القس متى المسكين:
يستحق قبر القس متى المسكين، الواقع في دير القديس أنبا مقار بوادي النطرون، نظرة خاصة لما يمثله هذا الرجل من قيمة روحية وفكرية في الكنيسة القبطية المعاصرة.
من هو القس متى المسكين؟ كان القس متى المسكين راهبًا وعالمًا لاهوتيًا ومفكرًا قبطيًا بارزًا. اشتهر بتفسيره العميق للكتاب المقدس وعمله على تجديد الفكر اللاهوتي في الكنيسة القبطية. مكث بدير القديس أنبا مقار بوادي النطرون وأشرف على تطويره ليصبح مركزًا روحيًا وفكريًا هامًا.
أهمية قبره: يعتبر قبر القس متى المسكين مزارًا يقصده العديد من المؤمنين والباحثين واللاهوتيين. يجد الزائر في هذا المكان هدوءًا وسكينة تدعو إلى التأمل في حياة القس متى المسكين وإسهاماته. يحرص الزوار على قراءة مؤلفاته والصلاة من أجل نيل البركة.
لماذا زيارته مهمة؟ زيارة قبر القس متى المسكين فرصة للتذكير بأهمية التجديد الروحي والفكري في الكنيسة. إنها دعوة للاقتداء به في البحث عن الحقيقة والتعمق في فهم الكتاب المقدس والعيش بحسب تعاليم الإنجيل. كما أنها فرصة لتقدير دوره في إعادة إحياء الفكر اللاهوتي في الرهبنة المصرية وإسهامه في الحوارات المسكونية.
و سبب الكتابة في هذا الصدد ، أن قبر متي المسكين ، قبر بسيط ، بضعة رمال و حجر و جزء اسمنتي مكتوب عليه شاهد القبر.موجود فى عراء الدير ، بخلاف المزارات الرخامية و التي لها أماكن خاصة في الأديرة كما يحدث الآن.
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الآن اتجهت اتجاه ملحوظ لعمل مزارات لكل من يتنيح من الأساقفة و المطارنة و البطاركة بشكل به مبالغة ربما تفوق القبر الفارغ الموجود بكنيسة القيامة ، و هذا جديد على تاريخ الكنيسة بتقديس كل رجالها، فالتقديس له شروط تعلمها الكنيسة جيداً . فالملاحظ في الآونة الأخيرة بعد انتقال أحد رجال الكنيسة ببضعة ايام تصدح الكورالات بترانيم و تمجيدات له و كأن المنتنيح أصبح قديساً بين ليلة و ضحاها.
هذا الاتجاه سوف يغير في شكل مستقبل الكنيسة ، فمثلاً بعد خمسين أو مئة عام ، سيكون هناك كم هائل من مزارات القبور في كل الأديرة، بعدد من ينتقلون من أساقفة و مطارنة و بطاركة.
و ما جعلني أقول ان هذا اتجاه جديد على الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، التي كانت تهتم بالقديسين و مؤسسين الرهبنة،ليست بكل رجال الكنيسة بهذا الشكل الزائد. اين قبور الأساقفة و المطارنة و البطاركة منذ الفين من الأعوام الماضية؟
وهل ستصبح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة المزارات في المستقبل ، و ربما يأتي يوماً، بدل أن تفخر الكنيسة بالأصالة و العمق ، تفخر بعدد مزارات قبور رجالها.








