
بقلم : جميل جورجي
يعد المتحف الكبير بمثابة صرح حضارى وتنويرى يروى لنا قصة الحضارة المصرية الخالدة التى تؤكد على مدى عظمة المصرى القديم أبو العمران والإنجازات التى مازال يقف منها العالم محيراً، حيث تظل الأهرامات شاهداً عن عظمة وأصالة المصرى القديم .. لقد فرض الفيضان تحدياً كبيراً على المصريين إلا أنه كان بمثابة منبه لخطر محدق بهم وإذ بهم يستجيبون له ويروضونه بل جعلوا منه مصدراً للتقدم والرخاء من خلال تلك الحضارة التى ألهبت فضول العلماء والمفكرين لعلهم يتمكنون من سبغ أغوارها .. فى دراسة “راشتون كولبرون” بجامعة شيكاغو” بعنوان “صعود الحضارة وسقوطها”صرح قائلاً لقد ألقت الحضارة المصرية القديمة على المصريين عبء تفسيرها إذ أن تطور الثقافة فى مصر القديمة ليس بالأمر الجديد .. لقد إستحوذت الحضارة المصرية القديمة على اهتمام المؤرخين وعامة الناس على حد سواء فهى تعد من أكثر الحضارات القديمة تطوراً من خلال تلك الإنجازات المعمارية الهائلة والعديد من المجالات الأخرى فى الأدب والرياضيات وعلم الفلك والهندسة والطب .. لقد تميزت تلك الحضارة القديمة بالمعتقدات والطقوس الدينية التى تشهد عليها تلك الإكتشافات الأثرية على مر العصور والتى مكنتنا من فهمها على نحو أفضل وقد أصبح لدينا قدر كبير من المعرفة عن تفرد تلك الحضارة وروعة الحياة المصرية القديمة .. تعتبر “مصر” واحدة من أعظم الحضارات نتيجة مجموعة من العوامل التى أسهمت فيها يأتى على رأسها “نهر النيل” الذى يعد أطول الأنهار فى العالم وكان بمثابة شريان للتجارة والتنمية فى مصر القديمة..أن عبارة المؤرخ اليونانى القديم “هيردوت” مصر هبة النيل تصف ذلك الدور الذى لعبه النيل فى وجود تلك الحضارة المصرية، حيث وفر لها الأرض الخصبة والمورد المائى اللازم لازدهارها فى تلك البيئة الصحراوية القاحلة .. لقد صك” هيردوت” عبارة “مصر هبة النيل” لكى يسلط الضوء على الدور الذى لعبه النيل فى الحضارة المصرية القديمة وكثيراً ما سلط الضوء على تلك العلاقة الوطيدة ما بين النيل ومصر فهو الذى منحها شخصيتها المتفردة.. فى دراسة الباحث “يورجن شماندت” بعنوان “التحدى والاستجابة” صرح قائلاً لقد استخدم “أرنولد توينبى” فى دراسته التاريخية الضخمة التحدى والاستجابة لشرح كيفية صعود الحضارات وسقوطها إذ رأى أن تلك التفسيرات التقليدية كالبيئة والعرق والقيادة وحيازة الأرض والوصول إلى الموارد الطبيعية خاطئة أو ضيقة للغاية بدلاً من البحث عن السبب الكامن الذى يفسر نجاح المجتمع أو فشله..ويؤكد “شماندت” على أن “توينبى” قد قصد بالتحدى عاملاً أو حدثاً غير متوقع يشكل تهديداً للطرق التى تكسب بها مجموعة من الناس رزقها فى الماضى بيد أن ذلك التحدى لم يكن سلبياً بالكامل بل كان يحمل فى طياته بذرة الفرصة ..قد كانت حرب السادس من أكتوبر بمثابة الاستجابة لذلك التحدى الكبير الذى فرضه الاحتلال الإسرائيلى وجاءت مزلزلة لهم لاسيما بعد أن قرر “كيسنجر” أنه لن يكون هناك حرب وإذ به يستيقظ على خبر عبور الجيش المصرى واقتحام “خط بارليف” الحصين .. وقد كتبت جريدة “الفاينانشيال تايمز” بتاريخ 11 أكتوبر 1973 “كان الأسبوع الماضى أسبوعاً تأديبياً وتعذيبياً لإسرائيل إذ من الواضح أن الجيوش العربية تقاتل بقوة وشجاعة وعزم كما أن الإسرائيليين قد تملكهم الحزن والاكتئاب عندما وجدوا أن الحرب قد كلفتهم خسائر فادحة وأن المصريين والسوريين ليس كما قيل عنهم أنهم غير قادرين على القتال .. على الجانب الآخر كتبت جريدة “ديلى صن” فى 12 أكتوبر أن القوات الإسرائيلية ليست كما كانوا يظنون مكونة من رجال لا يقهرون ولكن كما قال مراسل وكالة “الأسيوشيتد برس” لقد واجه الإسرائيليين خصماً يتفوق عليهم فى كل شيء ومستعداً لحرب استنزاف طويلة ووجدت نفسها أمام خصم أفضل تدريباً ومهارة.. لقد كتب “م. مجزم” يقول لم تفز مصر فى 6 ساعات ولكنها دمرت خط بارليف لقد كان هذا بالفعل إنجازاً عسكرياً عظيماً للمصريين إنه شيء يدرس حتى الآن فى الجامعات العسكرية فقد عبر الجيش المصرى أقوى مانع مائى فى العالم وأن مثل هذا العمل يحتاج إلى استعدادت قريبة من الكمال ..لقد كتب الدكتور العلامة “حامد ربيع” قائلاً هناك ثلاثة معارك حاسمة وفاصلة خاضها المصريون لا يمكن إخضاعها للتحليل إذ فصل ما بعدها عن ما قبلها المعركة الأولى هى معركة “حطين” التى أنهت الحروب الصليبية ومعركة “عين جالوت” بقيادة “قطز” التى أدت إلى قطع دابر المغول والجيش الدهرى إلى الأبد ومعركة السادس من أكتوبر التى حطمت أسطورة الجيش الذى لا يقهر.. فى مقال “مايكل دوران” بعنوان “الحساب الخفى وراء حرب يوم الغفران” صرح قائلاً لطالما كان السؤال الأكبر حول الحرب هو لماذا انتظرت إسرائيل حتى تتعرض للهجوم ولكن ماذا لو أقنعتها الولايات المتحدة أقرب حلفائها بالانتظار ؟ .. وقد صرح “مجزم” قائلاً لقد أصبح الوضع بالنسبة لإسرائيل سيئاً للغاية فقد خسرت 400 دبابة و49 طائرة وظنوا أن هذه نهاية دولة تدعى إسرائيل واستعدوا لقصف مصر نووياً وأرسلوا رسالة مفادها “أنقذوا إسرائيل”.. لم تنته مسيرة التحديات التى تواجه مصر فى أعقاب ثورة 30 يونيو والتى تتمثل فى العديد من التحديات التى استجابت لها الدولة بخوض معركة التنمية وبناء “الجمهورية الجديدة” يأتى على رأسها التحديات البيئية وشح الموارد .. إذ أن ندرة الموارد المائية المتزايدة بسبب المناخ الجاف ومحدودية الموارد إذ تعد الزراعة المستهلك الأكبر ناهيك عن تداعيات “التغير المناخى” وتزايد الموجات الحارة والظواهر الجوية المتطرفة .. يعد التلوث تحدياً كبيراً يتمثل فى تلوث الهواء والماء والتربة التى تحتاج إلى المعالجة وإدارة النفايات وإعادة تدويرها وتحقيق الاستفادة الاقتصادية والبيئية منها ..كما يعد النمو السكانى أحد التحديات الهامة التى تضغط على الموارد والبيئة ومشاكل الصحة العامة والأمراض والأوبئة التى تمثل تحدياً مستمراً ناهيك عن التحديات التى تتعلق بالفقر والتى يتم مواجهتها من قبل الدولة..ومازالت تواصل مصر دورها التاريخى كركيزة للاستقرار والتوازن فى المنطقة من خلال اتباع دبلوماسية هادئة وفعالة تهدف إلى نزع فتيل الحروب والأزمات واحتواء الصراعات قبل اندلاعها فقد اعتمدت الدبلوماسية على نهج المشاركة وتكثيف الجهود وطرح مبادرات تسوية حقيقة تراعى مصالح جميع الأطراف.. وتدرك القيادة المصرية تماماً خطورة الوضع فى المرحلة الحالية فى الشرق الأوسط والتوترات المتصاعدة من جراء السياسات الإسرائيلية التى لاتقصر فقط على الموقف فى “غزة” بل تمتد إلى العديد من المغامرات الإسرائيلية فى المنطقة وذلك هو التحدى الأكبر الآن.
